لم تنجح عشرات المبادرات ورحلات العودة التي نظمها الأمن العام ال​لبنان​ي في العامين الماضيين الا بضمان عودة نحو 170 ألف نازح سوري الى بلدهم. فبالرغم من كل التسهيلات التي قدمها الجهاز الامني اللبناني والجولات الماراتونيّة لحزبيين سواء من "​التيار الوطني الحر​" و"​حزب الله​" وغيرهما لتشجيع ​النازحين​ على العودة وحلحلة ملفات المئات منهم، الا ان عودة هؤلاء بقيت خجولة جدا مقارنة بالأعداد الهائلة التي لا تزال في لبنان والتي تلامس المليون والـ700 الف.
وقد أثارت نتائج هذه التجربة أكثر من علامة استفهام لدى المعنيين بالملفّ الذين قرأوا فيها استعدادا لدى القسم الأكبر من النازحين للبقاء في لبنان الى أجل غير مسمى، في حال لم يتم اتخاذ اجراءات جديدة تدفعهم فعليا على العودة. ومن هنا كان رفع وزير الخارجية ​جبران باسيل​ مؤخّرا الصوت وذهابه باتّجاه التلويح بورقة اسقاط ​الحكومة​ في حال عدم التوصل الى تفاهم داخلي سريع على خطة وطنية تضمن تشجيع عشرات الآلاف على العودة شهريا لضمان عودة أقله ربع عدد النازحين خلال عام.
واذا كان باسيل والقسم الكبير من العونيين على اقتناع بالقدرة على تحقيق انجاز في هذا الملف في حال ممارسة الضغوط اللازمة سواء الداخليّة أو الخارجيّة، ويخوضون المعركة على انها معركة حياة أو موت ولا تقتصر التضحيات فيها ان طُلبت، على اسقاط الحكومة بل على ما هو ابعد من ذلك بكثير، يبدو البعض منهم أكثر واقعية، اذ يتحدّث مصدر نيابي في "​لبنان القوي​" عن "وجوب قيام قيادة التيار بواجباتها من دون توقع الخروقات الكبيرة، فالموضوع تم تدويله وتضع يدها عليه دول عظمى، لكن ذلك لا يجب ان يدعونا للاستسلام، فاعلان موقف واضح وصريح على الاقل سيسجله التاريخ لنا، فكيف اذا ترافق بخطوات عمليّة على الارض". ويضيف المصدر: "فليكتب التاريخ ان فريقا سياسيا قام ويقوم بواجبه الوطني كاملا في ملف يهدّد الديموغرافيا اللبنانيّة، وحارب وسيحارب فيه حتى النهاية، فاذا وُفّقنا حققنا انجازا تاريخيًّا واذا لم نوفّق بالكامل نكون أقلّه ضمنا عودة أعداد تخفف قليلا عن كاهل لبنان واللبنانيين".
ويعتقد مصدر أمني متابع عن كثب لملفّ ​النزوح​ والتواصل مع الدولة السوريّة أن العوائق التي تحول دون عودة أعداد كبيرة من النازحين لا تقتصر على ​المجتمع الدولي​ التي تبدو أجندته واضحة لجهة عدم تشجيع هذه العودة وربطها بالحلّ السياسي، انما تنسحب على فرقاء في الداخل يربطون الملفّ أيضا بأجنداتهم السياسيّة، مؤكدا تعاون النظام في ​سوريا​ الى حدّ بعيد مع ​الامن العام اللبناني​، مستغربا بعض منتقدي تقديم لوائح بشكل مسبق لأخذ موافقة دمشق عليها، قائلا: "اذا كنا نحرص على سلامة النازحين ونتقدم بأسمائهم بشكل مسبق لضمان عدم وجود ايّ ملف أمني لهم يتيح التعرض اليهم في حال عودتهم يتمّ انتقادنا، واذا تركناهم يعودون بشكل تلقائي من دون التدقيق بأوضاعهم يتّهموننا برميهم في آتون من النار".
وتستغرب المصادر تماما الحديث عن خطف واعتقال و​اعدام​ أعداد من النازحين العائدين، واضعة هذا الكلام في خانة شدّ الحبال السياسي الداخلي الذي يترك تداعيات سلبيّة كبيرة ويضرب المصلحة اللبنانية العليا.
ويبقى السؤال، هل يستطيع لبنان وحده التصدّي لانتهاكات المجتمع الدولي الذي لا يبدو متحمّسًا على تحقيق عودة النازحين في المدى المنظور؟ وهل تتعاون دمشق مع أيّ اجراءات جديدة سوف تتّخذ قد تلامس في مرحلة من المراحل حدود العودة الالزاميّة الى المناطق الآمنة؟!.