استشعر الأميركيون، قبل غيرهم، النتائج «الكارثية» لقرار الانسحاب من ​سوريا​. وبرز ذلك في حملة من الاحتجاجات التي صدرت عن حلفاء أميركا في سوريا، كما في لبنان، وفي إظهار دول وعواصم عربية استعدادها للذهاب نحو التطبيع مع سوريا إذا كانت الوجهة العالمية تقوم على الإقرار بانتصار ​بشار الأسد​. ولذلك اعتمد الأميركيون على خطة مزدوجة لاحتواء الموقف.

عندما بادرت الدبلوماسية الأميركية إلى التخفيف من وقع قرار الانسحاب، كانت تسعى إلى طمأنة شركاء كبار لها في المنطقة، ولا سيما ​إسرائيل​ و​الأردن​ و​تركيا​. لبنانياً، أجرت اتصالات هدفت إلى إقناع حلفائها بأن لا تعديل على وجهة التعامل مع ​النظام السوري​. واضطر الأميركيون في مرحلة ثانية إلى الطلب من حلفائهم العرب فرملة اندفاعتهم تجاه سوريا. وهو ما عادت دولة ​الإمارات العربية المتحدة​ و​البحرين​ و​السعودية​ إلى إبلاغه إلى من يهمّه الأمر. وتم تطويق الموقف من خلال ​الجامعة العربية​، بمنع سوريا من حضور القمة الاقتصادية في بيروت وتأجيل البحث في دعوتها إلى اجتماع القمة في تونس.
في لبنان، وجد الأميركيون أن الخطوة الرئيسية تتعلق بملف من قسمين: الأول، يخص ​ملف النازحين السوريين​، والثاني، يخص مساعي جهات لبنانية مصرفية وتجارية ومالية لدخول سوريا للعمل ضمن مشروع إعادة الإعمار. وأبلغ الأميركيون قوى لبنانية عدة أن من غير المسموح لأحد بالعمل في سوريا، وأن الإجراءات الردعية سوف تشمل الجميع وليس اللبنانيين فقط. وجرى الإعلان عن تحذيرات لرجال أعمال في الأردن و​العراق​ من أجل تأكيد القرار الأميركي. لكن في لبنان، سيكون هناك جدول أعمال آخر، يفرض على الحكومة اللبنانية إعلان التزامها القرارات الدولية بشأن سوريا وتنفيذ العقوبات المفروضة على سوريا. وتم تحذير شركات ورجال أعمال لبنانيين من احتمال تعرضهم لعقوبات مالية قاسية إن حاولوا الدخول إلى سوريا مباشرة أو من خلال شركات أخرى يعمل بعضهم على تأسيسها في ​روسيا​ أو الصين أو دول آسيوية.
وفي ملف النازحين، يهتم الأميركيون بإقناع اللبنانيين بأن السوريين سيعودون إلى بلدهم في نهاية المطاف، وأن دول الغرب لا تحمل مشروعاً لتوطينهم هنا. لكن مسؤولين أميركيين لا يخجلون من القول إن على اللبنانيين التعامل بواقعية، واستغلال الدعم المالي مقابل بقاء النازحين، والموافقة على برنامج استخدام هؤلاء النازحين في النشاط السياسي ضد الأسد وحتى ضد ​حزب الله​، علماً بأن الجانب الأميركي على ثقة تامة بغياب أي جاهزية في لبنان من قبل القوى المحلية لأجل استغلال النازحين بغية استخدامهم ضد حزب الله.
وتدعو واشنطن حلفاءها في قوى ​14 آذار​ وبعض ​منظمات المجتمع المدني​، وحتى الناشطين الإعلاميين، إلى العمل من أجل تعميم أجواء تقول بأن حزب الله هو شريك النظام السوري في مأساة النازحين، وليس منطقياً أن يتولى هو مسؤولية إعادتهم إلى بلادهم. كذلك يجري العمل على إعداد ملفات وفبركة معطيات تشير إلى أن الذين عادوا إلى سوريا خلال الأشهر العشرة الماضية يواجهون صعوبات كبيرة في العيش هناك، وأنهم عرضة لعمليات تنكيل واعتقال. ووعد الأميركيون حلفاءهم اللبنانيين بأن تعمل عواصم عربية على إعادة تنشيط تحركات شعبية احتجاجية في سوريا لأجل تأكيد أن المناخ غير ملائم.

واشنطن واثقة من غياب أي جاهزية في لبنان لاستخدام النازحين ضد حزب الله


وفي خطة الأميركيين بشأن ملف النازحين، تظهر الأهداف المباشرة الآتية:
ــــ تحميل الحكومة اللبنانية مسؤولية سلامة النازحين في مكان إقامتهم حالياً، أو تعريضهم للمخاطر إن جرى دفعهم للعودة قسراً إلى سوريا.
ــــ قبول لبنان بألّا تتم معالجة أزمة النازحين بمعزل عن الخطة الشاملة التي تخصّ السوريين في العراق والأردن وتركيا. وهي خطوة التزم بها الرئيس ​سعد الحريري​ من خلال طريقة تعامله مع مؤتمر ​بروكسل​ (ألّف رئيس الحكومة وفد لبنان إلى بروكسل من سياسيين من «المستقبل» و«القوات اللبنانية» و​الحزب التقدمي الاشتراكي​، وأبعد ممثل 8 آذار عن المؤتمر).
ــــ بناء آليات تواصل مع النازحين بغية إعدادهم كقوة سياسية معارضة للنظام، تمهيداً لإظهار الموقف السياسي في أول انتخابات رئاسية سورية (مفترضة عام 2021)، وتأكيد أن غالبية السوريين الهاربين إنما لا يريدون بقاء النظام الحالي، ومحاولة دفعهم إلى التعبير عن رفضهم لدور حزب الله في سوريا، وعدم التفاعل مع الحزب في ما خص تأمين عودة آمنة وسريعة لهم إلى بلادهم.
ــــ السماح لمعارضين سوريين بالمكوث في لبنان والعمل مع النازحين السوريين هنا، والاستفادة من برامج الدعم المالي الكبيرة لهم.
ــــ عدم الركون إلى أي تباينات بين دول الغرب حول طريقة التعامل مع النازحين. فالأميركيون يريدون تخفيف حدة القلق الأوروبي من إطالة بقاء النازحين خارج سوريا، وإمكان انتقالهم كأفراد أو مجموعات إلى أوروبا، بالإضافة إلى القلق الأمني من تحول مخيّمات النازحين إلى «بؤر» لتجدد نشاط إرهابي تقوم به جماعات «متطرفة».