تشكّل الدعاوى القضائية مشكلة كبيرة تثقل كاهل الصحافي والمؤسسة الإعلاميّة في آن واحد، خصوصاً وأن النصوص القانونيّة والصلاحيات المتداخلة في المحاكم في بعض الأحيان باتت سيفا على رقبة الصحافي فأصبح يحسب ألف حساب قبل الكتابة لأن موضوعه سيتحوّل من كاشف لقضيّة ما أو لفساد الى مُتّهم يدافع عن نفسه...
تخيّلوا معنا "صحافي كشف قضيّة فساد، حقّق فيها ​القضاء​ ووجدها مُحقّة، وجرّم المتهم، ولكنه يقوم بعدها بالنظر بدعوى يقدّمها المُتّهم بحق الصحافي ويربحها أيضا". هذه ليست خيالا بل قصة واقعيّة حصلت مع الزميل في صحيفة "الأخبار" محمد نزّال، وهذه الحادثة واحدة من حوادث كثيرة تحصل مع الجسم الاعلامي.
يروي محمد نزّال عبر "​النشرة​" أنه "في العام 2013 كتب مقالا كشف فيه قضيّة تتناول تجّار ​مخدرات​، وتناول فيه قاضي التحقيق في ​بيروت​ جعفر عيسى والقاضية رندا يقظان، فحوّلا الى ​التفتيش القضائي​ بإيعاز من وزير ​العدل​ حينها ​شكيب قرطباوي​، والتفتيش حوّلهما للتأديب القضائي وخُفّضت لهما أربع درجات".
يشير نزّال الى أن "القاضيين تمت معاقبتهما من القضاء إلا أنّ القاضية رندا يقظان رفعت دعوى أمام ​محكمة المطبوعات​ بجرم القدح والذمّ والخبر الكاذب، وربحت الدعوى، مع العلم أننا سألنا القاضي الموكل بالدعوى كيف نُتّهم بالخبر الكاذب والقاضية مُدانة، وبعدها رفعنا الموضوع الى ​محكمة التمييز​ وربحنا الدعوى في مجال الخبر الكاذب".
"كلّ هذه الممارسات تهدف لترهيب الاعلام، فالخلاصة منها أنّ من يتحدث عن ​الفساد​ يجب أن يحسب ألف حساب". هذا ما يؤكده نزّال، مشيرا الى أنّ "القوانين تُدمّر طموح الصحافي"، ومضيفا: "بالانظمة الدكتاتورية الواضحة يأخذ الدكتاتور قرارا بإقفال الوسيلة الاعلاميّة أما بالانظمة الدكتاتوريّة المقنّعة فالوزير وغيره لا يستطيع أن يقفل الوسيلة الاعلاميّة فيقوم بإغراقها بالدعاوى لتقفل".
بدوره يشدّد وزير العدل السابق شكيب قرطباوي في حديث لـ"النشرة" على أن "المشكلة الاساس هي الى أين تذهب الدعاوى، هل الى محكمة المطبوعات أم المحاكم الجزائية"، معتبرا أن "هناك خلاف على الصلاحيات بين المحاكم وهي مختلفة فيما بينها والنصوص القانونيّة ليست واضحة".
يؤكّد قرطباوي أنه "مع حريّة الاعلام ولكن الاعلام المسؤول"، مشيرا في نفس الوقت الى أن "النصوص القانونيّة تحتاج الى تعديل". في حين أن نزّال يشدّد على أن "ما نسعى اليه هو أن يميل القضاء الى الصحافي أكثر حتّى ولو لم يقدم الإثبات بل أن يكتفي "بالشك"، مضيفا: "يكفي أن نطرح علامات استفهام وعلى ​التفتيش المركزي​ وغيره القيام بالتحقيق"، مشدّدا أيضًا على أنه "يجب اعادة النظر بمفهوم القدح والذم والتشهير".
في المحصّلة باتت الحريّات الاعلاميّة مكبّلة في ظلّ تقاذف "الاختصاص" بين المحاكم الجزائيّة والمطبوعات ليبقى الاساس ضرورة إعادة النظر بالقوانين التي أثبتت "الاشكالات" المتكررة حاجتها الى التعديل!.