لم تشهد العدلية، منذ عقود، ملفاً أكثر خطورة من قضية «الفساد القضائي» المفتوحة منذ أسابيع. رغم ذلك، انكفأ المدّعي العام التمييزي عن متابعة القضية، ليتركها في عهدة المدّعية العامة في جبل لبنان، القاضية غادة عون، التي تشتبك مع اثنين من زملائها المحسوبين، مثلها، على «تيار العهد»

تستعِر الحرب في قصر عدل بعبدا. معسكر بقيادة القاضية غادة عون وفرع المعلومات يُواجهه معسكر تتعدد رؤوسه وأذرعه: من قاضي التحقيق الأوّل في بعبدا نقولا منصور إلى مدّعين عامين وموظفين قضائيين ومحامين. أما خارج بعبدا، فمعسكر ثالث «متحالف» مع خصوم عون، يقوده مفوّض الحكومة لدى المحكمة العسكرية القاضي بيتر جرمانوس الذي يشارك في «الحرب» القائمة، متكّلاً على الإعلام، وعلى جهاز أمن الدولة المقرّب منه، على قاعدة أنّ فرع المعلومات في قوى الأمن الداخلي معادٍ له.

كُلّ معسكرٍ يتّهم الآخر بالفساد. علماً أنّ القضاة الثلاثة يتقاسمون ملف مكافحة الفساد. إذ يحضر عون وجرمانوس في الادعاء العام نتيجة انكفاء المدعي العام التمييزي القاضي سمير حمود. يليهما في هرم «مكافحة الفساد»، قاضياً للتحقيق، نقولا منصور الذي تولى التحقيق في ملف فساد الضباط وملاحقة محامين اشتُبه بدفعهم رشى للتغطية على مطلوبين أو التلاعب بملفات قضائية. علماً أن القضاة الثلاثة المتصارعين «ينتمون» إلى التيار السياسي نفسه: تيار عهد الرئيس ميشال عون
ورغم ما يُشاع عن غاية سياسية ونوايا مبيّتة خلف حملة مكافحة الفساد القضائي، إلا أنّ الوقائع تُثبت أن الملف فُتح بـ«رمية من غير رام». بداية القضية كانت بعد قرار رئيس الهيئة الاتهامية في جبل لبنان القاضي منذر ذبيان بإخلاء سبيل المتّهم بتهريب أطنان من الحشيشة، مهدي م. إذ اشتُبه في أنّ المخلى سبيله كان قد رشى عنصراً في «النشرة الجرمية» لإخفاء حُكمٍ صادر بحقّه. توقيف الأخير قاد إلى توقيف ستة أشخاص (أربعة منهم في جبيل) تبين أن أحدهم تربطه علاقة بسائق القاضية عون، الذي اشتُبه في تقاضيه رشى وتعاطيه المخدرات. أبلغ ضباط فرع المعلومات عون بشأنه فأرسلته إلى التحقيق ليتم توقيفه. إثر ذلك، خابر محقّقو الفرع عون بشأن شخصين (ايلي ب. وطراد هـ.) يشتبه في أنهما سمساران لقضاة. اعترف الأول بأن الثاني كان يعمل سائقاً لجرمانوس طوال ١٥ سنة. ادعى معاون مفوض الحكومة على سائق عون وادعت الأخيرة على سائق جرمانوس. تلا ذلك توقيف شخص زعم أنه «مدير مكتب» القاضي جرمانوس، فثارت ثائرته واعتبر أنه مستهدف ، فزادت الحساسية بينه وبين عون.
أما القاضي منصور فحكايته مختلفة، وهي تعود إلى قضية «سايفكو» الشهيرة. يتردد في أروقة قصر العدل أن منصور يُحمّل عون مسؤولية هرب مدير الشركة شاهي يريفانيان الذي يهاجم، عبر وسائل التواصل الاجتماعي، قاضي التحقيق الأول في جبل لبنان. كذلك يتناقل قضاة أنّ منصور يتّهم عون بأنّها تُسرّب أخباراً ضده في الإعلام. ولمنصور قصة أخرى مع يريفانيان. إذ كان وكيل الأخير، المحامي وليد حنّا، قد تقدّم بمذكرة دفوع شكلية، طلب بموجبها تنحية منصور لأن وكيل أحد خصومه، المحامي صخر الهاشم، هو في الوقت عينه الوكيل القانوني لمنصور، علماً أنّ الأخير صرّح بأنّه عزل الهاشم قبل سنتين. نشر يريفانيان مذكرة الدفوع على صفحته على فايسبوك، فثارت ثائرة القاضي وادّعى على يريفانيان ومحامي وحنّا بجرم الإساءة إلى سمعته. لم توافق نقابة المحامين على ملاحقة حنّا كون موكّله من قام بالنشر، إلا أنّ قرار النقابة استُؤنف ليُعطى إذن الملاحقة. إزاء ذلك، كرر المحامي طلب تنحّي منصور لتكوّن خصومة بين يريفانيان والقاضي الذي أصبح مدعيا أمام النيابة العامة على شاهي. لم يتنحَّ منصور، مما اضطر المحامي إلى اعتزال الوكالة. فوكّل يريفانيان داني معكرون بدلاً منه، فيما لا يزال منصور مدعيا على يريفانيان، وفي الوقت نفسه قاضياً للتحقيق في القضية المقامة أمامه ضد الأخير!

يُنكّل قضاة العهد ببعضهم بعضاً. يتدخّل جرمانوس محتجاً على دهم منزل أحد أبناء منطقته، ويتقاذف مع عون مسؤولية فتح تحقيق في قضية العثور على أسلحة حربية في منزل أحد الموقوفين بقضية الفساد القضائي. اما منصور، فيطلب من رئيس قلمه نزار ن. عدم المثول أمام محققي فرع المعلومات، رغم أنه مطلوب للتحقيق، كشاهد، بأمر من القاضية عون. فيما يؤكد مصدر قضائي رفيع بأنه «لا يحق لمنصور منع رئيس القلم من المثول كشاهد بوجود إشارة المدعي العام في ملف جزائي».
لم يكتف منصور بذلك، بل عمَد إلى ما يُشبه إعلان «ثورة» في عدلية بعبدا بعدما جمع كتّاباً ورؤساء أقلام طالباً منهم التضامن مع زملائهم. لكنه لم يستمر في «تمرّده»، إذ وافق على مثول رئيس قلمه أمام فرع المعلومات كشاهد. علماً أن الاخير يحظى بدعم النائب السابق وليد جنبلاط الذي يرى نفسه محاصراً بعد توقيف ضابط وكف يد قاضٍ والتحقيق مع رئيس قلم محسوبين عليه (مع أن الموقوفين والقضاة الذين كُفَّت أيديهم متنوعو الانتماءات المذهبية والسياسية).
في المقابل، ينظّم معارضو القاضية عون «مضبطة اتهام» طويلة بحقها، تتضمّن كل «هفواتها» (راجع التقرير في الصفحة نفسها)، وكل «مخالفاتها».
مَنْ مِنَ المعسكرين المتخاصمين على حق؟ أم كلاهما مُغرِض؟ من يُريد منهم قضاءً قوياً وعادلاً؟ من يُقدِّم أوراق اعتماد ومن يسعى لتحقيق العدل؟ كل الأسئلة والصراعات تعود إلى سبببين:
1- انكفاء النائب العام التمييزي القاضي سمير حمود عن أداء دوره. وهنا تبرز معضلة: احد المدعين العامين في قضية الفساد القضائي هو في الوقت عينه أحد المشتبه فيهم في القضية نفسها!
2- ضعف اداء هيئة التفتيش القضائي طوال السنوات التي مضت.
غياب حمود وضعف الهيئة هما تحديداً ما شجّع جهازاً أمنياً (فرع المعلومات)، ومدعية عامة (القاضية غادة عون) على قيادة حملة محاكمة الفساد في العدلية، وليخوضا معاً في واحد من اخطر الملفات التي يشهدها القضاء منذ عقود.


الفساد في «العدلية»: كف يد أحد أعضاء مجلس القضاء الأعلى
لم تتوقف التحقيقات الجارية في فضيحة الفساد القضائي التي تهزّ قصور العدل. فقد بلغ عدد القضاة المحالين على المجلس التأديبي أربعة قضاة، بعدما أعلن وزير العدل ألبرت سرحان أنه، ومتابعة للتحقيقات التي تجريها هيئة التفتيش القضائي، أصدر مجلس الهيئة بتاريخ 4/4/2019 قراراً بإحالة قاضٍ الى المجلس التأديبي الخاص بالقضاة. وقد اتّخذ وزير العدل قراراً، وفقاً لصلاحياته القانونية (المادة 90 من قانون القضاء العدلي)، وبناءً على اقتراح مجلس هيئة التفتيش القضائي، بوقف القاضي المذكور عن العمل مؤقتاً إلى حين البت بوضعه من قبل المجلس التأديبي. وعلمت «الأخبار» أنّ القاضي الرابع الذي جرى وقفه عن العمل هو أحد أعضاء مجلس القضاء الأعلى ورئيس الهيئة الاتهامية في جبل لبنان القاضي منذر ذبيان الذي كانت «الأخبار» قد نشرت يوم 13 شباط 2019 تحقيقاً بشأن ملابسات إخلائه سبيل أحد المتّهمين في ملف مخدرات بعنوان:«إخلاء متّهم بتهريب أطنان من المخدرات: هل صدر «العفو العام» على تجّار الممنوعات؟».