كان لافتاً في الايام الماضية، ما صدر عن الادارة الاميركية لجهة مسلسل العقوبات التي تفرضها على ​ايران​ و​حزب الله​، وكل من يعاونهما باعتبار ان السياسة الاميركية الجديدة باتت تعتبر ايران والحزب بمثابة "ارهابيين". وكان من الطبيعي توقّع تصاعد وتيرة العقوبات، ولكن الامر اخذ منحى آخر عندما تم طرح اسم رئيس مجلس النواب ​نبيه بري​ ضمن هذه اللائحة. وبغض النظر عن التفسيرات والتأويلات والتخمينات التي اعطيت لهذا الامر، فإن الثابت في الموضوع ان اسم بري يطرح للمرة الاولى بهذا الشكل، فما الذي تغيّر بين الامس واليوم؟!.
في المبدأ، كان بري يجاهر دوماً بعلاقته الوثيقة بحزب الله، وتم اعتماده في اصعب الظروف التي عاشها ​لبنان​، كناطق دولي باسم الحزب، يفاوض باسمه ويستقبل المبعوثين الدوليين ومن بينهم المبعوثين الاميركيين، لينقل مطالبهم ووجهة نظرهم الى الحزب والعكس بالعكس. هذا ما حصل ابّان حرب تموز 2006، حيث كان بري يستقبل بشكل متواصل المسؤولين الاجانب والعرب للتفاوض حول النقاط التي ستؤدي الى انهاء الحرب.
لم يعتد اللبنانيون على ان يكون بري ضمن قائمة "الممنوعين" إن في لبنان او خارجه، فصفته كرئيس لمجلس النواب، كفيلة باعطائه الصفة الرسمية التي تمكّن الجميع من التحاور معه اياً يكن موقفه ورأيه في الاحداث المحلية، ولكن في المقابل، لم يعتد العالم بعد على تصرفات وقرارات رئيس اميركا الحالي ​دونالد ترامب​... فهل قرر الأخير وضع حد لصفة بري كناطق باسم الحزب، وضمّه الى الحزب في العقوبات والقرارات؟ يبدو ان الامر يصبّ في هذا الاتجاه، لانه حتى لو توترت الاوضاع واخذت منحى مأساوياً ووصل الى حد المواجهة العسكرية المفتوحة، لا يبدو ان الاميركيين يرغبون في ان يكون بري هو القناة التي تمرّ عبرها المفاوضات مع الحزب في حال حصولها. وقد يكون التفكير الاميركي منطلقاً من مبدأ ان الاحوال في لبنان عام 2019 تختلف كلياً عن تلك التي سادت عام 2006. فمنذ 13 سنة، كان قسم كبير من اللبنانيين لا يرغب في بقاء رئيس الجمهورية العماد ​اميل لحود​ في منصبه، وقاطعه وطالبه بالاستقالة، فيما الوضع الحالي لرئيس الجمهورية العماد ​ميشال عون​ مغاير تماماً. وفي العام 2006 ايضاً، كانت الحكومة اللبنانيّة منقسمة وكانت شريحة كبيرة من اللبنانيين تعتبرها غير ميثاقيّة بسبب غياب الثنائي الشيعي فيها، بينما ​الحكومة اللبنانية​ اليوم تمثل اكثر من 90 في المئة من اللبنانيين ولا مشكلة ميثاقية او شرعية فيها.
وبالتالي، بينما كان رئيس مجلس النواب هو الجهة الوحيدة التي كانت تستقطب السياسيين حولها من مختلف الانتماءات والافكار السياسية والدينية، لم يعد من الضروري بالنسبة الى الاميركيين ان يتحول بري الى الممر الوحيد الالزامي للتحدث مع مسؤول رسمي لبناني عن لبنان، خصوصاً اذا ما اخذنا بالاعتبار ان الرئيس العماد ميشال عون قريب من حزب الله، وان الحكومة تضم ممثلين عن الحزب، فلا لزوم لقناة ثالثة اضافة الى هاتين القناتين الرسميتين.
هكذا، يكون ترامب قد انهى اكثر من عقدين من الزمن كان فيها رئيس ​مجلس النواب اللبناني​ همزة الوصل الوحيدة بين الخارج من جهة ولبنان الرسمي وحزب الله من جهة ثانية، وهو امر يطرح الكثير من التساؤلات، حتى مع التفسيرات التي تفيد ان العقوبات لن تكون سارية المفعول الا في حال اندلاع حرب مع ​اسرائيل​، وهذا ما يعزز النظرية التي تم التطرق اليها آنفاً، ويضع دور بري التفاوضي على المحك.
قد لا نشهد اليوم الذي يتحقق فيه هذا الامر، ولكن لا يمكن لاحد ان ينكر ان هناك صفحة جديدة تُكتب بقلم ترامب للوضع في المنطقة، وان لبنان لن يكون بمنأى عن هذه الكتابة.