هذا اليوم هو يوم الخلاص والفرح والسّلام. نتذكّره كُلّنا ولا ننسى كيف كان أهلنا يأتون بِنا إلى الكنيسة بِلباسٍ جديد يُشير إلى استعدادنا للقاء شخصٍ فريد، وشمعة متواضِعة مُزينة بأغصان الزيتون، ويحملوننا على الأكتاف لِنُنشد :"هوشعنا لابن داود مُبارَك الآتي باسم الربّ". لَم نكن نعرف وقتها معنى العبارة التي كُنّا نُرَدّدها، ولكن عندما كبرنا عَرفنا بأنّ معنى الهوشعنا هو طلب التحرير من الخطيئة والخلاص. هوشعنا للآتي باسم الرب، أي خلّصنا أيها الآتي باسم الرب، لأنّك وحدك المُخلّص، وحرّرنا من خطايانا لأنّك وحدك المُحرّر، وأنت كذلك لأنك الله.
ولقد تركت ذكرى يوم الشّعانين أجمل الأثر في حياتِنا لأنّها ارتبطت بالفرح، نعم بالفرح الذي يتوق إليه كلّ إنسان. هذا الفرح نقرأه في وجوه الأطفال ونتعلّمه من حماستهم. هُم اليوم في الكنيسة بانتظار التّطواف الذي سيتم في آخر القداس فيفرَحون. يفرَحُ الأطفالُ لأنَّهم أبناء البساطة المُجرّدة من تعقيدات الكبار وحِسابات الكِبار. يفرحون لأَن قلوبَهم لَم تعرِف بعدُ الأَنانيّة والكبرياء اللذان يُحطّمان قلوبَ الكبار، ولا الحِقد الذي يقتل فيهم الطفولة. ويفرحون مع الآخرين من دون أن يتباهوا على الآخرين لأنهم يشعرون بأنّ الفرح يكبر عندما يتقاسمونه مع الناس. ولهذا نسمع يسوع يقول لنا بأن ملكوت السّماوات مُحَرّم علينا ما لَم نَرجِع ونصير كالأطفال؛ فلكي نتعرف على الله، يترتب علينا أن نتبنّى موقف الأطفال من الشّر الذي يريد أن يُفرّقنا مبدأ حياتنا ووجودنا وعن الإخوة، فنُصبح قادرين على الرؤية عبر القلب. علينا أن نتعلم أن نرى عبر قلب طفل لا تُعيقه الأحكام المسبقة ولا تعميه المصالح، ولا تتحكّم به شهوة العين ولا حُبّ السلطة والتسلّط.
في هذا النهار يَخرج الناس من بيوتِهم وأماكن تواجدهم ليجتمعوا ويسيروا وراء شخص يسوع الذي هو ​الحياة​. يسيرون وراءه فيُعَبرون عن أنّهم في الحقيقة تلاميذ، وأنّهم بحاجة إلى هذا المعلّم ليكشف لهم طريق الحياة. يُخبرنا ​الإنجيل​ عن أنَّ يسوع كان دائم الطّواف من أجل إعلان كلام الله، وكان الناس دائماً يسيرون وراءه، وقد رأينا هذه الصورة بطريقة واضحة في أناجيل زمن الصّوم الكبير؛ عند شفاء الأبرص والمخلّع والنازفة والأعمى، وكانت العبارة التالية تتردّد في أكثر من موضع: "كان يسوع يسير ويتبعه جمعٌ غفير"(مر10: 46).
ونحن اليوم شعب يسوع الغفير، نخرج من بيوتنا إلى شوارع قُرانا ومُدُننا لكي نفرح، لأنّنا مدعوّون إلى الفرح. فلا نكتفي بموقف المتفرِّج، بل لِنَسر وراء يسوع في الطريق، قولاً وفِعلاً؛ نقبل كلمته بشوقٍ كأطفال، ونعيشها كأطفالٍ، ونقبل بأن نُسَلّمه قيادة حياتنا كأطفال، إيماناً منّا بأنّه هو ضمانة حياتنا وضمانة الطريق وضمانة الوصول، لأنّه هو "الطريق والحقّ والحياة" (يو14: 6)؛ طريقٌ تقودنا إلى الله فنؤمن به أنّه مُخلّصنا، وإلى ذواتنا فنعيش السلام الدّاخلي، وإلى وإخوتنا فنُحبّهم من كلّ قلوبنا كما نُحبّ الله.