لقد تسنَّى لي خِلال عُطْلة الفِصْح المُبارك، الاطِّلاع على أَحْوال عددٍ من المُغْترِبين، ومن أَفْراد الجاليَة اللُّبنانيَّة العامِلين في الخارج، وقد أَتَوا إِلى لُبْنان لبِضْعة أيَّامٍ، يمضون في ربوعِه الأعياد. وإِذ هالَني ما قالَه بَعْض هَؤُلاء في الحَديث عن رَأْيهم بالإِعْلام اللُّبْنانيّ، قرَّرْتُ الكِتابة هذا الأُسْبوع عن مِلفٍّ يُضاهي الفَساد خُطورةً، بعدما قال أَحد المُغْترِبين إِنَّ الأَخْبار الَّتي ترد إِلَيْه من لُبْنان، تُسبِّب له "اليَأْس"!.
فقد قال يوسف (لبنانيّ يَعْمل في دبي): "سئِمْت الأَخْبار الآتية من الوَطن، والتَّراشق الإِعْلاميّ، فَلُبنان، وبعد مئة سنةٍ يبقى لبنان"!... قاصِدًا بذلك أَنَّ حال السِّجال والتَّراشق الإِعْلاميِّ باقيةٌ على الدَّوام. وأَضاف: "إِذا كان ثمَّة مَن يَنْشر عبر حسابه على (​فيسبوك​) أَخْبارًا سياسيَّةً، لا أَتردَّد في عَدم مُتابَعته(Unfollow)".
وأَمَّا زينة (لبنانيَّة تَعْمل في الإِمارات العربيَّة المُتَّحدة) فقالَت: "أَنا لا أُتابع الأَخْبار، وأَكْتفي بالاطِّلاع على أَعْياد مَوْلد أَصْدقائي صباحًا أَو مساءً، بحسب ظُروف عَملي"...
وما يَقوله الإِثْنان، على صلةٍ رُبَّما بسياسةٍ إِعْلاميَّةٍ تَهْدف إِلى تَيْئيس النَّاس خدمةً لأَغْراضٍ وأَجِنْداتٍ سياسيَّةٍ مُعيَّنةٍ...
والأَنْكى أَنَّ هذا الانطباع السَّلْبيّ عن بَعْض الإِعْلام اللُّبنانيّ، يَتزامن في وقتٍ أَحْوج ما يَكون فيه الوَطن إِلى العَمل على رَبْط لُبْنان المُقيم بلُبْنان المُغْترب"...



مواطن ضُعْف الإِعْلام


ومن خِلال الحِوار مع أَبْناء الوَطن، أَوْضَحوا أَكْثر وجْهَة نَظرهم حَيال إِعْلام الوطن... وبِحَسب رَأْي بعضهم، فإِنَّ الإِعلام يَشْكو من "ضُعْفٍ في مَجال تَحْرير الأَخْبار، وملاحظاتٍ مهنيَّةٍ، ذات صلةٍ بحَجْم الخَبر والمِعْيار المُعْتمَد في انْتِقائه، إِذ غالِبًا ما تُصاغ الأَخْبار، بمعزلٍ عن أَهميَّة الخبر، وغالبًا ما تَكون هذه الأَخْبار "فَضْفاضةً في الكَلام وحَشْوه"...
وذلك يحصل في عصرٍ يَشْترط العمل في وسائل الإِعْلام الحديثة، ضَغْط المُرْسَلة الإِعْلاميَّة والتَّقْليل من كلماتها، بما يَسْمح بالتَّرْكيز على جوهر المَعْلومة أو المُرْسَلة، فتَضيع الفِكْرة الرَّئيسيَّة في خضمِّ الإِطالَة...
ففي الجَريدَة الوَرَقيَّة كانَت "الماكيت" تُجْبر الصِّحافيّ عَلى إِيْلاء الخَبَر الحَجْم والأَهميَّة اللَّذَيْن يستحقُّهما... وأَمَّا في التَّحرير الإِلكترونيّ، فتَنْبغي المُحافَظة على خاصَّتَيْ أَهميَّة الخَبر وحَجْم الكلمات فيه، وبالتَّالي مِن دون وجود "الماكيت".
وكأَنَّ الأَخْبار وحدَها لا تَكْفي لتَيْئيس النَّاس، حتَّى تَأْتيك وسائِل الإِعْلام بِبدْعة إِيْراد "التَّغريدات" الَّتي يُطْلقُها السِّياسيُّون عبر حساباتهم على "​تويتر​"، "ليتمَّ حينَذاك النَّقْل في الزَّعْرور"...
وأمَّا نَقْل التَّغْريدات تِلك، فتتمُّ في شكلٍ استنسابيٍّ، هَذا إِذا لَم يعمَد بَعْض السِّياسيِّين إِلى سَحْب "التَّغريدة" عن مَوْقعه، فَتَبْقى واردةً في الوَسيلة الإِعْلاميَّة "لتَطْفيش القُرَّاء"...



الإِصْلاحات المَطْلوبة


وعَليه تَنْبغي إِعادة النَّظر في حَجْم الأَخْبار، إِذ إِنَّ المَزيد مِن الإِطالة في حَجْم الخَبر، قد تَعْني المَزيد من "الشَّحْن السَّلْبيّ الهدَّام للمَعْنويَّات الوطنيَّة"!...
كما ولا بُدَّ من اعْتِماد مِعْيارٍ مُحدَّدٍ في انْتِقاء الأَخْبار الصَّالحة للنَّشْر، من بَيْن الأَخْبار المُرْسَلة حتَّى مِن "أَصْحاب الطُّموح السِّياسيِّ"... فبَعْض السِّياسيِّين المُغرِّدين على "تويتر"، أَو أَصْحاب إِصْدار البَيانات اليَوْميَّة للنَّشْر، هم مِن أَصْحاب التَّأْثير المَحْدود جِدًّا في الرَّأْي العامّ، وهُم مِن المُتَلطِّين تحت عَباءة قُطْبٍ سياسيٍّ كي يُحْسبوا علَيْه فيُسوِّقوا لخطابٍ غيرهِم... وهذه الحال من السِّياسيِّين "الطُّفَيليِّين" يجب التَّعاطي معها بمِهَنيَّةٍ عاليةٍ!.
وكذلك تنبَغي الإِضاءة على مُنْجَزات العَهد (الانْتِخابات النِّسْبيَّة/مُشارَكة المُغْترِبين في الانْتِخابات...)، والمَساعي المَبْذولة لتَشْييد دَوْلة القانون والمُؤَسَّسات (مُكافَحة الفَساد/السَّعي إِلى تَفْعيل التَّعاون اللُّبْنانيّ مع مُخْتلف دول ​العالم​ (نَتائج زيارة الرَّئيس العماد ​ميشال عون​ ​روسيا​...).