في مثل هذه الأيام قبل عامين، وبالتحديد في 28 نيسان 2017 زار ​البابا فرنسيس​ القاهرة، وعندما التقى بإمام الأزهر أراد مخاطبته باللغة العربية فقال له السلام عليكم، ثم أضاف مردِّداً في خطابه مرات عدة عبارة «الدين لله والوطن للجميع»، التي يجمع المؤرخون على أنّ قائد ثورة مصر الكبرى ورئيس وزرائها سعد زغلول قد ردّدها عام 1919 ثم جعلها شعاراً للثورة.
يروي المؤرخون أيضاً انّ قائد ​الثورة السورية​ الكبرى سلطان باشا الأطرش رفع هذا الشعار لثورته في العام 1925، وأنّ قادةً كثراً في العالمين العربي والإسلامي جعلوا الشعار عنواناً لحركاتهم السياسية الهادفة لبناء دولة المواطنة، في زمن النهضة الهادفة لنقل البلاد العربية والإسلامية من التخلّف إلى التقدم والمعاصرة والحداثة، حتى إختصرت هذه العبارة مفهوماً جديداً للعلمنة لا يقوم على العداء للدين، أو التناقض معه، أو جعل إقصائه شرطاً للتقدم كما كانت تدعو بعض المفاهيم ​العلمانية​ المتطرفة في القرن العشرين على وجه الخصوص، وفي مقابلها المفاهيم الدينية المتطرفة التي تدعو في القرن الواحد والعشرين إلى بناء الدولة الدينية، ما يعد المنطقة بحروب لا نهاية لها، وبتقسيم الموحَّد منها إلى دويلات، ويمنح مشروع ​الدولة اليهودية​ في ​فلسطين المحتلة​ مشروعية يحتاجها، ويحصل عليها عندما تطرح بالقياس والمقارنة مع ما يجري في المنطقة.
الوصفة التي تقوم على المصالحة بين الدين و​الدولة المدنية​، أو دولة المواطنة، أو دولة الإنسان، لا تعني دعوة الدين إلى التراجع خطوة إلى الخلف، بل تدعو إلى أخذ الجوهر والروح من الدين، ونقله إلى الدولة، وإعتبار الخصوصية الدينية شيئاً من خارج الدين يتصل بالطائفة، فالدولة التي تعتمد الدين كجوهر وروح، هي دولة تتّسع لكل ​الديانات​، لأنها لا تشترط التسميات، ولا العصبيات، فالدين تسامح والدين حرية والدين عدالة والدين حق والدين رفع للظلم والدين حب للوطن، وهذا جوهر وروح كل دين، لكنه ليس الطائفية التي تتمسك بالشكل والإسم والعصبية، وفصل الطائفية عن الدولة شيء وفصل الدين عن الدولة شيء آخر، فالدولة التي تميّز بين البشر ليست من الدين بشيء لأنها ليست دولة العدالة بل دولة ظالمة، فكيف تكون دولة عادلة وهي عملياً دولة بعض مواطنيها فقط لأنهم يؤمنون بدين معيّن، أي يحملون تسمية معيّنة، فهي دولتهم كطائفة وليست دولة الدين الذي يحملون إسمه، الدولة التي تُسمّى دينية هي دولة ظالمة وبالتالي هي دولة منفصلة عن الدين، أما الدولة التي تقوم على تكريم الإنسان كتجسيد للحضور الإلهي في الكون، ولا تميّز بين إنسان وإنسان في الحقوق والواجبات، فهي دولة متصلة بالدين وليست منفصلة عنه، بل هي دولة منفصلة عن الطائفية والعرقية والعصبية و​العنصرية​.
«الطوائف في ​لبنان​ نعمة والطائفية نقمة»، معادلة رسمها الإمام السيد موسى الصدر، وأردف معها معادلة أخرى، «لبنان وطن الإنسان»، ولعلّ كثيرين لم تُتح لهم قراءة هذا النص على لسان أحد زعماء لبنان الكبار، «يقول الكثيرون نريد «فصل الدين عن الدولة»، وهو تعبير شائع مصطلح عليه ولكنه خاطئ في دلالاته وفي مفهومه، وقد يؤدي إلى التباس وإلى تضليل محتوم، وإنما يقصد منه فصل الطائفية عن الدولة، التمييز بين الطائفية وبين الدولة، لأنه في الحقيقة لا يمكن فصل الدين عن الدولة.
الدين، في جوهره، سعي شخصي واجتماعي للوصول إلى الحقيقة من جهة ولإحلال المناقبية (علم الأخلاق) في علاقات الناس بعضها مع بعض من جهة أخرى. فهل يمكن للسياسة وهي نهج الدولة ووسيلتها أن تتنكّر للحقيقة وللمناقبية دون أن تتحوّل إلى تدجيل وطغيان ومكيافيلية؟ تلك هي مشكلة العالم الحدي…