من المُنتظر أن يأتي الردّ على إعتبار رئيس "الحزب التقدّمي الإشتراكي" ​وليد جنبلاط​ "​مزارع شبعا​" غير لبنانيّة(1)، على لسان أمين عام "حزب الله" السيّد حسن نصر الله، قريبًا جدًا، في ظلّ بُروز التجاهل المُتعمّد من قبل العديد من كبار المسؤولين لكلام جنبلاط، علمًا أنّ هذا الأخير أعطى بدوره تعليمات مُشدّدة لقيادات حزبه وللوزراء وللنوّاب المَحسوبين عليه، بوُجوب عدم الردّ على التهجّمات التي تطاله. لكن وعلى الرغم من أجواء الهُدوء التي تُخفي غليانًا تحت الرماد، ما هي الأسباب التي دفعت جنبلاط إلى هذا التصعيد في المواقف السياسيّة، وما هي مطالبه؟!.

بحسب المَعلومات المُتوفّرة، إنّ رئيس "الإشتراكي" قرّر أخيرًا الإنتقال إلى سياسة هُجوميّة تصعيديّة، لكن مضبوطة الحركة، دفاعًا عن موقعه السياسي المُتراجع على المُستوى الوطني، وموقعه القيادي الأحادي المُهدّد على المُستوى المذهبي، وذلك بعد أنّ تبيّن له أنّ السيّاسة الدفاعية التراجعيّة التي إعتمدها منذ مرحلة إقرار قانون الإنتخابات النيابيّة الأخيرة حتى تاريخه، لم تؤتِ ثمارها. ومن خلال "جردة" سريعة، يمكن تعداد التراجع الملحوظ الذي لحق به على المُستويين المَذكورين أعلاه.

أوّلاً: القانون الإنتخابي وفق مبدأ النسبيّة خسّر جنبلاط عددًا من النوّاب الذين كان ينجح بإيصالهم إلى ​المجلس النيابي​ من خلال القانون الأكثري، والذين كانوا ينضوون ضُمن كتلة الحزب "الإشتراكي"، ولولا الدعم الذي لقيه جنبلاط من رئيس مجلس النوّاب نبيه برّي وغيره من القيادات، خلال مرحلة رسم تحالفات ولوائح المعركة الإنتخابيّة الأخيرة، لكانت كتلة "الإشتراكي" النيابيّة تقلّصت أكثر.

ثانيًا: تبيّن لجنبلاط أنّ التفاهم السياسي بين كل من "التيّار الوطني الحُرّ" من جهة و"تيّار المُستقبل" من جهة ثانية، أقوى من التحالف السياسي الإستراتيجي بين "المُستقبل" و"الإشتراكي"، الأمر الذي سمح بمنح المقعد الوزاري الدُرزي الثالث إلى "​الحزب الديمقراطي اللبناني​" بشخص الوزير ​صالح الغريب​، وليس إلى شخصيّة درزيّة مُحايدة، مع تخصيصه بوزارة لشؤون النازحين، وإلى منح "الوطني الحرّ" وزارة المُهجّرين بشخص المُرشّح عن دائرة "الشوف عاليه" ​غسان عطالله​.

ثالثًا: تبيّن لجنبلاط أنّ السياسة الإستيعابيّة التي حاول تطبيقها مُجدّدًا مع خصمه النائب ​طلال أرسلان​، من خلال عدم ترشيح مُنافس له ضُمن دائرة عاليه، لم تنجح هذه المرّة، حيث شعر أرسلان بفائض قُوّة نتيجة دعم "الوطني الحُرّ" له، بحيث جرى تشكيل كتلة سياسيّة فاعلة على مُستوى "الجبل" كسرت السيطرة الأحاديّة السابقة للحزب "الإشتراكي" في هذه الدائرة الإنتخابيّة المُختلطة بين المسيحيّين والدُروز بالدرجة الأولى، مع وُجود سنّي على مُستوى ​إقليم الخروب​.

رابعًا: نجحت الوساطات التي قامت بها أكثر من جهة سياسيّة داخليّة وحتى إقليميّة، في إعادة ترتيب العلاقة الثُنائية بين رئيس "الحزب الديمقراطي اللبناني" طلال أرسلان، ورئيس "حزب التوحيد العربي" وئام وهّاب، الأمر الذي أشعر جنبلاط باشتداد الخناق السياسي عليه، خاصة وأنّ هذا "التحالف الدُرزي" المُناهض له، بات يُطالب بحزم بتقاسم المناصب والحصص السياسيّة والعسكريّة والإداريّة العائدة إلى الطائفة الدُرزيّة مع "الحزب التقدمي الإشتراكي".

خامسًا: قامت ​سوريا​ بوضع إسم جنبلاط على لائحة إرهاب تضمّ أسماء لبنانيّة عدّة مطلوبة للمُحاكمة من قبل السُلطات السُوريّة، وكذلك بتعويم موقع شيخ عقل طائفة المُوحّدين الدُروز المُعيّن ​نصر الدين الغريب​ عبر مَنحه حقّ إصدار بطاقات مُرور خاصة بالمشايخ، وذلك على حساب شيخ عقل طائفة المُوحّدين الدُروز المُنتخب الشيخ نعيم حسن.

سادسًا: أخذ "حزب الله" في المرحلة الأخيرة موقفًا حازمًا وغير مُتساهل من جنبلاط، بسبب ما يعتبره "الحزب" إساءات مُتكرّرة وغير مُبررة ضُدّ سوريا وإيران، بحيث صار "الإشتراكي" مَعزولاً أكثر فأكثر على المُستوى الداخلي، بعد أن كان "حزب الله" يتصرّف في السابق بليونة أكبر مع المواقف "الإشتراكيّة" التصعيديّة، وكان أفرقاء آخرون مثل حركة "أمل" وسواها، يُسارعون إلى تطبيق سياسة إستيعابيّة مع جنبلاط.

سابعًا: جاءت قضيّة معمل الترابة في منطقة عين دارة والعائد إلى "آل فتّوش"، لتُشكّل القشّة التي قصمت ظهر البعير، باعتبار أنّ وزير الصناعة وائل أبو فاعور حاول تجميد رخصة المعمل المُعطاة في الماضي من قبل وزير الصناعة السابق ​حسين الحاج حسن​، قبل أن يأتي قرار سريع صادر عن ​مجلس شورى الدولة​، ليُعيد الأمور لصالح "آل فتوش" الذين يستعدّون للمُشاركة بفعاليّة في "إعادة إعمار سوريا"، مُستفيدين من علاقاتهم السياسيّة المُمتازة مع النظام السُوري ومع "حزب الله".

في الخُلاصة، من المُرجّح أنّ يُواصل جنبلاط في المرحلة المُقبلة تطبيق مبدأ "الهجوم خير وسيلة للدفاع"، ومطالبه واضحة لجهة التوقّف عن مُحاولة عزله وحصاره سياسيًا، وإستبعاده عن القرارات المُهمّة والوطنيّة، وكذلك التوقّف عن تهميش دوره ضُمن الطائفة الدُرزيّة أوّلاً، وعلى المُستوى اللبناني ثانيًا.

(1) قال جنبلاط بداية "أنّ مزارع شبعا ليست في الأساس لبنانيّة" وأنّه "بعد تحرير العام 2000 تمّ إستبدال الخرائط من قبل ضُبّاط لبنانيّين وسوريّين بهدف إبقاء الذرائع بيد سوريا وغيرها من أجل تحريرها"، ثم أصرّ لاحقًا على موقفه مع تلطيفه قليلاً، عبر تذكيره بأنّ "الحُكومة السُوريّة رفضت إعطاء لبنان الأوراق الثُبوتيّة بشأن لبنانيّة المزارع، فكان أن بقيت السيادة المُبهمة حتى هذه اللحظة".