شاهدَ ​العالم​ الأحد الماضي، افتتاح "معرض بيكين الدَّوْليّ للبستنة لعام 2019"، ذاك المعرض الضَّخم الَّذي يُشارك في فعاليَّاته المَلايين مِن كلّ أنحاء العالم، ومئة وعشرة دول، وأكثر من مئة وعشرين شركة غير رسميَّة... كما ويُعدّ المَعْرضُ خطوةً من أَلْف ميل "الحزام والطَّريق" المُعْلن من جمهوريَّة الصِّين الشَّعْبيّة لمدِّ الجسور بين الشُّعوب في مختلف المَجالات، والَّتي تبدأ ب​الاقتصاد​ والثَّقافة ولا تنتهي في فعاليَّات "البَسْتَنة"…
وحين نقول "بستنة"، ندخل لُعْبة التَّوْرية، وهي تتجسَّد في علم اللُّغة، في أَنْ تَحْمل الكلِمة مَعْنيَيْن: أَحدهما أَقرب إِلى الذِّهن لكنَّه غير المَقْصود، والثَّاني بعيدٌ إِذ إِنَّه المَقْصود. فالمَعْنى القَريب الَّذي يَدْعو إِلَيه المَعْرض، يكمن في "شعار ​الحياة​ الخَضْراء والموطن الجميل"، بهدف احْتِرام الطَّبيعة والتَّمتُّع بجمالها…
وأَمَّا المَعْنى البَعيد والعَميق، فهو ما أَشار إِلَيه الرَّئيس الصِّينيّ ​شي جين بينغ​ الَّذي افْتَتح المَعْرض، من خلال تَأْكيده وجوب الحدّ من الأَضْرار البيئيَّة… ومُواجَهة التَّنْمية العَشْوائيَّة… والحدّ من تَجاهل التَّوازن البيئيّ الضَّروريّ لا بل المُحتَّم… وصولاً إِلى تَعْزيز "الحَوْكَمة البيئيَّة"، بمُشاركة المُجْتمع بكامله، والمبنيَّة على الإرادة الدَّوليَّة الجَمْعاء!. وأَضاف الرَّئيس الصِّينيّ: "لا مجال للتَّنْمية على حساب ​البيئة​"!.

من الصِّين إِلى لُبْنان

عمليًّا، إِنَّ "النِّظام البيئيّ المُتنوِّع" يَنْبغي أَنْ يَترافق مع بيئةٍ نظيفةٍ، خاليةٍ من ملوِّثات الفَساد، وبخاصَّةٍ في وطنٍ كلُبْنان، لا حُرْمة للبيئة فيه كما ولا للأَخْلاق!.

وكما أَنَّ "لا دولة قادرةٌ على مُواجهة التَّحديات البيئيَّة منفردةً"، واكلام هُنا للرَّئيس الصِّينيّ، فقد يَكون أيضًا لا بدَّ لمُواجهة البيئة الفاسِدة، من عملٍ دوليٍّ مشتركٍ ونبيلٍ!.
وفي مُقابل "منتدى الحزام والطَّريق" الَّذي تَهدف الصِّين من خِلاله إِلى "تنمية الطَّريق الخضراء"، قد يَجد المُجْتمع الدَّوْليّ نَفْسه في حاجةٍ إِلى مَسْعًى دَوْليّ مُشْترك، لتَرْميم "البَيْت المُشْترك" من ​الفساد​ النَّاخر لأَساساته!.
وبين الخَطر الخُلقيّ والخَطر البيئيّ أَكْثر من رابطٍ، ففاقِد الأَخْلاق لا يَتوانى عن القِيام بأيّ فعلٍ، في سَبيل إِرْضاء نَزْوته الماديَّة ونَهَمه إِلى المال غير النَّظيف، ولو كان المَطْلوب منه العمل على إِنباتِ الكسَّارات والمَقالع كما يَنْبت الفطر!.
والعَكْس صَحيح: فالحَدائق الصِّينيّة الَّتي لَطالما كانت تتحضَّر لليوم الموعود في افتتاح "معرض البَسْتَنة"، ما هي إِلاَّ مُحصِّلة لرُقيٍّ إِنْسانيٍّ يُقدِّس الطَّبيعة ويَحْترمها ويُقدِّر جمالاتها، فترتدّ تلك الجمالات عليه خُلقًا سليمًا وإِنْسانيَّة لا تَشوبها شائبة!… هي الحضارة الصِّينيّة العَريقة المُقدِّسة للطَّبيعة والمُحْترِمة للإنسان... غير أَنَّ السُّؤال الكبير: مِن أَيْن نَبْدأ إِصْلاح الذَّات في ​لبنان​؟

"بالمحبَّة نَبْنيه"...

لقد شدَّدْنا في مُقدِّمة وَثيقة "بالمحبَّة نَبْنيه"… الصَّادرة عن جمعيَّة "جائزة الأَكاديميَّة العربيَّة" في ​14 شباط​ 2019، على وجوب أَنْ نَتنبَّه إِلى أَنَّ "مُحاربة الفَساد"، يَنْبغي أَنْ تتمَّ "في مَنْأى عن المَصالح السِّياسيَّة والحَرْتقات والزَّواريب الضيِّقة الَّتي تُؤدِّي إِلى شحن النُّفوس وصولاً إِلى ما لا تُحْمَد عُقباه".

والوَثيقة أَرَدْنا مِن خلالها الوصول إِلى "إِعْلانٍ مُشْتركٍ عن نيَّاتٍ صالِحةٍ وصادِقةٍ ووطنيَّةٍ صرفٍ، من أَجْل إِعادة بناء لبنان على أُسسٍ مَتينةٍ إِيمانًا منَّا بالمحبَّة الجامِعة… على أَمْل أَنْ تصبح هذه الوَثيقة دليلاً للأَجْيال المُقْبلة، يَأْخذها إِلى ثَقافة الحِوار المُتبادَل".
غير أَنَّ المحبَّة لا تَعْني التَّغاضي عن الفَساد… فحتَّى الأَب يُضْطرُّ أَحْيانًا إِلى تَأْنيب ابْنِه إِذا فعل شرًّا، غير أَنَّ هذا التَّأْنيب أَو التَّهْذيب لا يَعْنيان أَنَّ الأَب لا يحبُّ ابْنَه!...
إِنَّ "البَسْتَنة" تتخطَّى الأَعْمال الزِّراعيّة البَسيطة في الحَدائق –على جمالها– فَهي إِلى ذلك فنٌّ، ومتى نَتعلَّم "فنَّ" التَّعاطي مع الذَّات أَوّلَاً، ومِن ثمَّ مع الآخر وتاليًا مع الوطن؟.