كشفت محاولة الانقلاب الأميركية الفاشلة في ​فنزويلا​، هشاشة المعارضة التابعة ل​واشنطن​ وضعف تأثيرها في الداخل الفنزويلي، وأنها لا تعدو كونها أداة ومطية لتبرير التدخل الاستعماري الأميركي في شؤون فنزويلا بهدف الإطاحة بنظام الحكم الوطني المستقلّ والشرعي في البلاد والإتيان بحكم بديل تابع للولايات المتحدة ينفذ أجندتها في فنزويلا ودول أميركا اللاتينية، وتأمين عودة الشركات الأميركية لاحتكار واستغلال ثروات فنزويلا، من نفط وغاز ومعادن ثمينة… كما كشفت المحاولة الانقلابية إخفاق المخطط الأميركي انْ لناحية تضليل الرأي العام في البلاد أو لناحية التأثير على موقف ​الجيش​ الفنزويلي، من خلال الحملة الإعلامية المبرمجة التي قامت بها وسائل الإعلام التابعة لواشنطن إنْ كانت أميركية أو فنزويلية، أو بعض دول أميركا اللاتينية، بتوجيه من ​الاستخبارات الأميركية​.. فقد كان الرهان الأميركي بأن تؤدّي هذه الحملة الإعلامية، المفبركة والمحرّفة للوقائع، إلى جعل المجموعة الانقلابية الصغيرة من الجنود، تتدحرج وتكبر وتتوسع مثل كرة الثلج لتشمل بقية وحدات الجيش، أو أقله بعضها، بما يشق الجيش ويضعف من التأييد الذي يحوز عليه مادورو، واستطراداً التأثير على موقف الرأي العام، من خلال مواكبة هذا التحوّل في موقف الجيش، بمظاهرات لمؤيدي قائد الانقلاب غوايدو، وبالتالي جعل الشارع يصدق الرواية التي أطلقها وزير الخارجية الأميركي ​مايك بومبيو​ عن عزم الرئيس مادورو الهرب بالطائرة إلى المنفى في كوبا، وأنه في اللحظة الأخيرة، تراجع بناء على طلب روسي، ليجري في ما بعد تبرير فشل الانقلاب بدعم عسكري كوبي للرئيس مادورو.. لكن هذه الرواية لم تنجح في تضليل الفنزويليين مدنيين وعسكريين، وهي حكيت بخفة أميركية، اعتقاداً انها ستلقى التصديق والنجاح في إحداث التحوّل في موقف الجيش والرأي العام ضدّ الرئيس مادورو، بحيث يتمّ إسقاط القلعة من الداخل، ويصوّر التدخل الأميركي المحضّر لدعم الانقلاب على أنه داعم لقرار الجيش والشعب للإطاحة برئيس لم يعد يحظى بالتأييد الشعبي، ويرفض التخلي عن الحكم.. تماماً كما حصل في بعض ما سمّي بالثورات الملونة في دول البلقان و​رومانيا​ و​بلغاريا​ و​أوكرانيا​، التي حظيت بالدعم الغربي، وأدّت إلى تفكيك الاتحاد اليوغسلافي والإطاحة بالحكومات غير التابعة للغرب..

هكذا فشلت واشنطن في خداع الجيش الذي ظلّ متماسكاً خلف قيادته المؤيدة للرئيس مادورو، في حين لم تتمكّن من التأثير على موقف الغالبية الشعبية الداعمة لمادورو…

على انّ فشل هذه المحاولة الانقلابية إنما يتوّج إخفاق سلسلة المحاولات الأميركية لتغيير نظام الحكم الفنزويلي الرافض للهيمنة الأميركية، والتي بدأت مع إشهار إدارة ترامب الحرب على فنزويلا لعزل الرئيس مادورو وتنصيب غوايدو رئيساً على فنزويلا، حيث فشلت في محاولة الحصول على إجماع دولي إلى جانب مخططها، نتيجة رفض العديد من الدول سياسة التدخل الأميركية في شؤون الدول الداخلية وسعيها لتغيير رئيس شرعي انتخب ديمقراطياً، والإتيان بشخص موال لها.. كما أخفقت محاولات التهويل والإرهاب والإغراءات التي مارستها واشنطن لدفع الجيش الى التخلي عن دعم مادورو، وبالتالي الوقوف إلى جانب غوايدو، وفشلت خطة واشنطن لدعم بعض أطراف المعارضة اليمينية الموالية لها، بغطاء إدخال المساعدات الإنسانية عبر كولومبيا، وكذلك أخفقت في إثارة الرأي العام ضدّ الحكومة عبر عمليات التخريب التي قامت بها وأدّت إلى قطع ​التيار الكهربائي​ في البلاد… غير أنّ فشل المحاولة الانقلابية، باستخدام بعض الألغام والاختراقات في الجيش، أدّى إلى توجيه صفعة قوية للمخطط الأميركي وإضعاف موقف واشنطن التي ظهرت عارية ومكشوفة للعالم أجمع لناحية دورها التآمري ضدّ فنزويلا وسعيها لتركيب روايات كاذبة ومخادعة عن حقيقة الوضع في فنزويلا، مما أدّى إلى احتدام الخلاف داخل أروقة البيت الأبيض وانقسام في الراي بشأن التدخل العسكري، نتيجة التقديرات والمعلومات غير الصحيحة حول حقيقة ما يجري في فنزويلا، والتي مصدرها المعارضة التابعة لواشنطن، التي تسعى إلى إقناع إدارة ترامب بالتدخل العسكري، لتمكينها من الوصول إلى الحكم، وهو ما يدعمه فريق المحافظين الجدد في البيت الأبيض بقيادة ​جون بولتون​ وبومبيو، إلا أنّ المعلومات غير الدقيقة والمضللة جعلت الرئيس الأميركي ​دونالد ترامب​ يتردّد في تأييد التورّط في تدخل عسكري يسعى ويحرّض عليه بولتون.. وهو ما يذكر بما حصل عام 2012 في دمشق على اثر التفجير الإرهابي الذي استهدف خلية الأزمة والمعلومات التي نقلتها قطر من أنه سيتمّ السيطرة على دمشق، والرئيس بشار الأسد هرب من القصر الرئاسي.. مما أدّى إلى الإطاحة بأمير قطر ورئيس وزرائه لتضليلهم واشنطن، فهل يدفع بولتون وبومبيو ثمن تضليل ترامب بمعلومات خاطئة حول ما يجري في فنزويلا…؟ الأكيد أنّ حالة الارتباك والخيبة باتت تسيطر في البيت الأبيض الأميركي بعد انكشاف خفة واشنطن وارتكازها معارضة فنزويلية هزيلة لا يمكن الركون إليها.. وهو ما أثر على موقف الولايات المتحدة على الصعيد الدولي، بأن أماط اللثام عن دورها في حياكة الانقلابات ضدّ حكومات شرعية، بواسطة قوى تابعة لها..

من المؤكد أنّ فشل محاولة الانقلاب، بقدر ما فضح الدور الأميركي التآمري، وضعف القوى الانقلابية الموالية لواشنطن، فإنّ كشف لعبة الخداع والتضليل الإعلامية الأميركية لإحداث تحوّل في موازين القوى والإطاحة بالنظام الحكم البوليفاري التحرري في فنزويلا، وأكد الحقائق التالية:

الحقيقة الاولى: إنّ الغالبية الشعبية تملك وعياً لمصالحها، وهي تدرك جيداً أنّ هذه المصالح إنما يعبّر عنها نظام الحكم البوليفاري الذي بناه الرئيس الراحل هوغو شافيز، ويواصل مسيرته الرئيس مادورو، فهذا النظام أنصف الطبقات الشعبية التي كانت تعاني من الفقر والحرمان، وانعدام العدالة الاجتماعية، في ظلّ النظام السابق الذي جعل من فنزويلا بلداً تابعاً لواشنطن وشركاتها التي كانت تنهب ثروات البلاد النفطية بالشراكة مع الطبقة الحاكمة من رجال الأعمال ووكلاء الولايات المتحدة.. وهذا الوعي هو الذي أفشل مسرحية الخداع والكذب الأميركية وأحبط خطة واشنطن لتأليب الشعب ضدّ نظام الرئيس مادورو..

الحقيقة الثانية: إنّ الجيش الفنزويلي الذي بناه الرئيس شافيز على أسس العقيدة الوطنية ومفاهيم العدالة الاشتراكية، التي ينتهجها الحزب الاشتراكي الحاكم في البلاد، جعل منه قلعة حصينة للدفاع عن الثورة البوليفارية ونظامها الوطني التحرري، عصية على الاختراق، لا تخضع للإرهاب ولا للإغراءات الأميركية، وهذا ما جعل كلّ محاولات الانقلاب، التي دبّرتها واشنطن منذ أيام الرئيس شافيز وحتى اليوم، تفشل في تحقيق أهدافها..

الحقيقة الثالثة: إنّ الرئيس مادورو يمتلك الجرأة والشجاعة في الدفاع عن إنجازات الحكم البوليفاري، وهو أثبت منذ تسلّمه المسؤولية انه وفيّ لمبادئ الثورة البوليفارية، وهو ليس من النوع الذي يخاف تهديدات واشنطن ولا إرهابها..

من هنا فإنّ فشل محاولة الانقلاب، سوف يؤدّي إلى جملة من النتائج الهامة، أهمّها:

أولاً: تعزيز وتحصين الجبهة الداخلية في مواجهة الحرب الأميركية، التي ترتكز إلى معادلة، وحدة الغالبية الشعبية، وتماسك الجيش خلف الرئيس مادورو.. حيث أثبت هذه المعادلة قوتها، وأنها الضمانة لإحباط المخططات الأميركية لإعادة إخضاع فنزويلا للهيمنة الاستعمارية…

ثانياً: تعرية وانكشاف الاختراقات والألغام التي ترتكز إليها واشنطن في الداخل، إنْ كان في الجيش، او على مستوى بعض القوى اليمينية ورجال أعمال.. وبالتالي إقدام الحكومة وأجهزتها الأمنية على شنّ حملة اعتقالات طالت المتورّطين في المحاولة الانقلابية وإحالتهم إلى القضاء.. في حين ازدادت المطالبة الشعبية بوضع حدّ لحرية غوايدو وغيره من أدوات واشنطن الذين يحرّضون على الاضطرابات والانقلاب ضدّ نظام الحكم الشرعي، وهذه المطالبة المتزايدة توفر المناخ المواتي لإقدام السلطات على اعتقال هذه الرموز العميلة لواشنطن، ومحاكمتهم بتهمة العمالة ضدّ أمن واستقلال البلاد.. مما ينعكس في تحصين الجبهة الداخلية..
ثالثاً: اتجاه الحكومة برئاسة مادورو إلى اتخاذ جملة إجراءات داخلية، ومنها الحوار الوطني، الذي بدأ لإشراك الناس في البحث في الخطوات الآيلة لمواجهة الحصار الاقتصادي، بتفعيل وتعزيز الإنتاج الوطني لتوفير الاكتفاء الذاتي، وبالتالي تقليص الاعتماد على الاستيراد من الخارج، والعمل على الاستفادة من تجارب الدول التي تعرّضت للحصار والعقوبات الأميركية، ونجحت في التغلب عليها، وتحويل الحصار إلى فرصة لتحقيق التنمية الاقتصادية في البلاد والتطوّر العلمي في شتى المجالات، ومن هذه الدول، كوبا والجمهورية الإسلامية الإيرانية، وسورية إلخ… انّ أفضل طريقة لمواجهة الحرب الاقتصادية الأميركية هي بالتركيز على تعزيز الاقتصاد الإنتاجي الزراعي والصناعي وتطوير المبادرات الشعبية وتشجيع الاختراعات وتنمية القدرات والكفاءات العلمية والبحثية، وتعزيز نظام العدالة الاجتماعية الذي يؤمّن صمود الشعب ويجعله أكثر التفافاً حول دولته وجيشه في مواجهة المخططات الاستعمارية الأميركية…