أَبْعد من اتِّهام "مَكْتب التَّرْبية في الحزب الدِّيمقراطيِّ اللُّبنانيّ" مُنافسَه التَّاريخيّ "الحزب التَّقدُّميّ الاشتراكيِّ" بـ"اسْتِغلال التَّربية والتَّعليم، لتَحْقيق مَكاسب حزبيَّةً وسياسيَّةً"... على خلفيَّة "تَنْظيم امْتِحاناتٍ رَسْميّةٍ تحت شِعارات وتَسْمِياتٍ حزْبيَّة في ​المدارس​ الرَّسْميَّة في منطقة الجرد–عاليه وغيرها من المناطق"، والغَمْز مِن قَناة العَوْدة إِلى "الإِدارة المدنيَّة"... وأَبْعد من ردِّ "التَّقدُّميّ" بتَبْرير ما سمَّاه البيان "الأَنْشطة التَّرْبويَّة"، والَّتي وصفها بما يوحي ببراءَتها... وحصر الخَطأ بـ"تَرْويسة إِحْدى المُسابقات أَوْ بَعْضها"... مِن باب الاسْتِخْفاف بما يَراه الدِّيمقراطيّ سابقةً خَطِرةً... فإِنَّ السِّجال السِّياسيَّ–التَّرْبويَّ هذا، يَفْتح النَّافِذة على سَيْلٍ من الأَسْئلة ومنها:
-أَيَّ مَسارٍ تَسْلكه التَّرْبية في إِدارتها تقدُّميًّا؟.
-هل مِن رابطٍ بين ما أَعْلنه وزير التَّرْبية في بِداية "عَهْده الوزاريِّ"، عن السَّعي إِلى تَعْزيز مُسْتوى الشَّهادة الرَّسْميَّة، والإِيْعاز في المُقابلِ لـ "الماكينَة التَّربويَّة" في حِزْبه، لـ"تَرتيبِ وَضْعها"؟.
-هل الحزب التَّقدُّميّ بَريء تَربويًّا إِلى هذا الحدِّ؟.
-كيف يُعبِّر وزير التَّربية الاشْتِراكيّ عن نَهْج المُساواة بين المُتعلِّمين اللُّبنانيِّين؟.
إِنَّ التَّعْليم الحَديث، لا يَقوم البتَّة على تَعقيد التَّعلُّم بل على تَيْسيره، وبالتَّالي فالمُعلِّم النَّاجح بات مَن يُساعِد المُتعلِّمين في تَطوير مَهاراتهم، كي يُحقِّقوا الأَهْداف التَّعلُّميَّة المَرجُوَّة وليس "تَعْقيد" التَّعلُّم والتَّباهي بأَنَّ نِسْبة النَّجاح مُتدنِّية!.
والتَّعليم الحَديث يَجْعل من المُتعلِّم مِحور العَمل التَّربويّ، يَمْنحه السُّبل للتَّعلُّم النَّشِط، ويُحفِّز فيه حبَّ المَعرفة والمَجْهود الشَّخصيّ...
والتَّربية الحديثة تُيسِّر ولا تُعسِّر، ويَعمد المُعلِّم فيها إِلى تَنْشيط العمل التَّربويّ، من خِلال اعتِماد أُسْلوب الاسْتِكشاف... كما وتُعوِّد الجيل الطَّالع على السَّعي إِلى نَشْر السَّلام، وإِدراك مَسْؤوليَّته في محيطه وتجاه وطنه، كما وتجاه أَبْناء الوطَن، وتُدرِّبه على تَعزيز مَهارة حلِّ المُعضلات (Problem Solving)...
فأَيْن تَتمَوْضع وزارة التَّربية اليوم من كلِّ هذه النَّظريَّات التَّربويَّة الحَديثة؟.
إِنَّ المُتعلِّم كما غالبيَّة العامِلين لَمْ يَلْمُسوا بعد، أَنَّ الوزارة على السِّكَّة الصَّحيحة بل العكس صَحيح... فالمُتعلِّمون – باسْتِثناء المُنْتَمين أَهْلهم إِلى "الحزب الحاكِم في الوزارة"، يَنْظرون إِلَيْها على اعتِبار أَنَّها "بُعبُع" ينوي خَفْض معدَّلات النَّجاح في الامْتِحانات الرَّسْميَّة، إلاَّ على المَدعُومين... فيما الأَهل يُغالِبون شَيْطان "الواسِطة" ما دام بين المُتعلِّمين "ناسٌ بسمنة وناسٌ بزَيْت". ومِن ثَمَّ، فأَيّ مثالٍ تعطيه الوزارة اليوم في التَّربية على المُواطَنة؟.
وحدها "القيَم التَّربويَّة" تُحقِّق للوطن المَكاسب، وبخلاف ذلك نَكون أَمام "فَسادٍ تَربويّ"... وما أَشْبه مَن يُقدِّم إِلى ناخِبيه رشاوًى ماليَّةً، ومن يُقدِّم إِليهم رَشْوةً من نوعٍ آخَر: شهادةً رسميَّةً مَمهورةً بخَتْمٍ رسميٍّ.
رَحِم اللّه وليم شكسْبير الَّذي قال يومًا: "قضينا سنواتٍ كثيرة في التَّعليم، ومع ذلك لم يُعلِّمنا أَحدٌ أَنْ نُحبَّ أَنْفُسنا".
ورَحِم أَيْضًا مُصْطفى مَحمود القائِل: "الانْفِجار السُّكَّانيّ والبيروقراطيَّة والتَّعليم المُتَخلِّف والانْهِيار الخُلُقيّ، ذلك هو رُباعيُّ الفَساد الَّذي يُقيِّد أَيْدينا وأَرجلَنا ويعوِّق انْطِلاقنا، وعلينا أَنْ نُصارعه ونصرعَه ونتفوَّق عليه، وبغير ذلك تَظلُّ كلُّ الشِّعارات الَّتي نُطْلقها والمُؤْتمرات الَّتي نَعقدها والخُطَب الَّتي نُردِّدها عن زيادة الانتاج وإصْلاح التَّعليم مجرَّد كلامٍ في كلامٍ في كلامٍ".
مع الأَسف الشَّديد، فإنَّ كُلَّ أَسْباب الفَساد تلك، موفورة عندَنا، ولا يُحسن البَعض ادِّعاء معالجتها، سوى بالشِّعارات والمُؤْتمرات والخُطَب عن زِيادة الانْتاج وإصْلاح التَّعليم، يعني وفي اختِصارٍ: "مجرَّد كلامٍ في كلامٍ في كلامٍ".
بيد أنَّ في ​لبنان​ من ما زال يُؤْمن بأَنَّ "شَطْف الدَّرج يَكون من فوق إِلى أَسْفل"، وهو – إلى ذلك - يَعمل بصدقٍ لإِنقاذ الجُمْهوريَّة، كَونَه في أَعلى السُّلطة والمَسْؤوليَّة.