على مدى الأيام السابقة، أبرز ما قيل في موضوع الإضرابات التي حصلت في بعض المؤسسات العامة هو: "أنتم تضربون على أساس شائعة"، لكن هذا الأمر لم يدفع بالمضربين إلى التراجع، بل على العكس من ذلك قرروا البقاء على مواقفهم إلى حين الإنتهاء من ​جلسات مناقشة​ موازنة العام 2019 في ​مجلس الوزراء​.
بغضّ النظر عن مطلقي الشائعات وهدفهم، وعمّا إذا كانت هذه الشائعات صحيحة أو كاذبة، هناك مسألة أساسيّة ينبغي التوقف عندها ملياً، هي غياب الثّقة بين المواطن والسلطة، بعد ما يقارب العام على الإنتخابات النيابيّة الأخيرة، التي كانت قد أفرزت، عبر أصوات الناخبين، الطبقة السياسيّة نفسها القائمة منذ سنوات طويلة، على الأقل منذ العام 2005 بعد إغتيال رئيس ​الحكومة​ الأسبق ​رفيق الحريري​.
هذا الواقع، ظهر بشكل واضح مباشرة بعد ​أزمة النفايات​ في العام 2015، حيث لم يقتنع المواطنون بأي حلّ طرح من قبل الحكومات المتعاقبة، ما أدى إلى عدم تطبيق أي حلّ مستدام يمكن القول أنه يمكن أن يضع حداً لهذه الأزمة التي قد تعود لتنفجر في أي وقت. وفي الإطار نفسه، يمكن التوقف عند الإنتخابات الفرعيّة الأخيرة في ​مدينة طرابلس​، بعد إبطال ​المجلس الدستوري​ نيابة ​ديما جمالي​، حيث لم تتجاوز نسبة الإقتراع في المعركة حدود 13%، بالرغم من الواقع الإجتماعي المعروف في عاصمة ​الشمال​.
في الشارع ال​لبنان​ي، هناك الكثير من الكلام الشعبي عن أن من اقترع في ​6 أيار​ من العام الماضي لن يعيد التجربة في الإنتخابات المقبلة، إلا أن هذا الواقع لا يمكن الرهان عليه، خصوصاً أن الناخب اللبناني لا يصوت على أساس البرامج الإقتصاديّة أو الإجتماعيّة، بل على أساس الإنتماء الطائفي والمذهبي، وبالتالي حتى ذلك الوقت سيعود المشهد إلى ما كان عليه، إلا أنّ اللافت هو أنّ من كان يعد المواطنين بالوظائف وتحسن الأوضاع، قبل الإنتخابات، هو نفسه من يدعوهم اليوم إلى التضحية وتحمّل القرارات الموجعة.
ضمن هذا السياق، من الضروري السؤال هل من الممكن الرهان على من أوصل البلاد إلى ما هي عليه اليوم أن يستطيع اخراجها من الأزمة، خصوصاً أنّ التحقيقات فيما أقدمت عليه القوى السياسية المشاركة في الحكم قبل الإنتخابات، لا سيّما لناحية التوظيف المخالف للقانون، لم تنته بعد، وبالتالي من كان يدرك ما كان عليه الواقع الحقيقي لماليّة الدولة عليه أن يشارك بمثل هذه الخطوة. من هنا تأتي الدعوات إلى إعادة الأموال التي سُرقت لدعم الخزينة العامة، أو إلى إقامة المحاكمات عن الفترة السابقة، الأمر الذي لا يمكن توقّعه في بلد مثل لبنان، يعتبر النظام الطائفي هو الحامي الأول لكل فاسد أو المانع لمحاسبته.
في حقيقة الأمر، المشكلة ليست في غياب القدرة على الخروج من الأزمة الراهنة، حيث يؤكد الخبراء أن الحلول موجودة لتجاوز الواقع الراهن، وان لبنان لا يزال يمتلك الكثير من أوراق القوّة، بل في غياب الثقة في قدرة الطبقة الحاكمة على أن تتولى هذه المهمة، الأمر الذي يعقد المسألة ويدفع بالكثيرين إلى الخروج إلى الشارع، وهو الواقع الذي يربك القوى السياسيّة التي كانت تتعامل مع الدولة على أساس أنها "البقرة" التي يتم توزيع حليبها على المنتفعين لكسب ولائهم أو المحافظة عليه، بينما اليوم لم تعد تستطيع القيام بهذا الأمر.
في المحصّلة، الأزمة الحقيقيّة في البلاد ليست إقتصاديّة أو إجتماعيّة، بل أزمة ثقة على مختلف المستويات، داخل الأحزاب والتيّارات السياسيّة نفسها، وفي علاقاتها مع بعضها البعض، وفي علاقاتها مع الرأي العام، ومن هذه النقطة ينبغي أن تنطلق أيّ معالجة، طالما أن الرهان على أيّ تغيير يبدو بعيد المنال.