ينشغل اللبنانيون برسم ميزانيتهم ​المالية العامة​، في ظل مزايدات سياسية، وإعتراضات شعبية واسعة، توحي بمزيد من الشروخ بين الحكومة والقطاعات، فتتناوب الإتحادات والنقابات في التظاهر والإضرابات لمنع التقشف المالي المرتقب. لا يوجد خيارات واسعة أمام ​الحكومة اللبنانية​ لعدم فرض إجراءات مالية مؤلمة، بسبب العجز وعدم وجود إيرادات كافية. لذلك لا تُحسد السلطة السياسية على وضعها حالياً، بعدما بدأ يتظهّر أنين الناس الذين إعتادوا على رواتب شهرية ومداخيل حدّدت نمط حياتهم.
كان لبنان يراهن دوماً على الدعم الدولي، عربياً خليجياً، أوروبياً، وأميركياً. لكن العرب نأوا بأنفسهم عن الألم اللبناني هذه المرة، ويترقب الأوروبيون إصلاحات لبنانية جذرية لتنفيذ مقررات ​مؤتمر سيدر​، بينما بدت الإشارات الأميركية غير مشجّعة، توحي بأن ​الولايات المتحدة​ رفعت الغطاء عن لبنان. لا تكترث إدارة ​دونالد ترامب​ لما يجري في الجمهورية اللبنانية، ولا تبدي اي إهتمام بتفلت الساحة في لبنان، لا بل ينقل متابعون عن مسؤولين أميركيين قولهم أن ​واشنطن​ لم تعد تقدر على تحمّل "اللعب اللبناني"، لكن المطلب الحقيقي بالنسبة الى الأميركيين هو محاربة "​حزب الله​" إقتصادياً وسياسياً بعد عجز واشنطن عن فرض إبعاد الحزب عن اللعبة السياسية اللبنانية.
تريد الولايات المتحدة أن تضع الحزب في السلّة ال​إيران​ية، والهدف هو تلبية ما تريده ​إسرائيل​. لا يقتصر الأمر على القبول ب​صفقة القرن​، بل تسعى ​تل أبيب​ عبر الأميركيين إلى إعادة عنوان سلاح "حزب الله" إلى الواجهة، بعدما فشل الرهان على تغييرات إقليمية، وصمود ​سوريا​، وإسقاط الروس مخطط ضرب النظام في دمشق.
وإذا كان العنوان الإقتصادي مؤلماً لكل اللبنانيين، لكن الاسرائيليين لا يريدون الإكتفاء بالموضوع الإقتصادي والحصار المالي على "حزب الله" عبر العقوبات، بل يطرحون مسألة ​صواريخ​ الحزب، ويدّعون انه يقوم بتصنيعها في البلدات والمدن. غير ان تل أبيب التي تحرّض الأميركيين سرّاً، تشيع علناً أنها ستواجه أي ضربة محتملة، وستواكب اي حرب تجري ضد إيران، بإستهدافات واسعة في لبنان، ضمن جبهة واسعة.
ويتحدث مطّلعون أن أمر الحرب العسكرية مستبعد حتى الساعة، لكن الضغوط مفتوحة، على وقع كلام اميركي يتردّد في الجلسات الخاصة مع لبنانيين، بأن "لا سماح بأن يتحوّل لبنان إلى دويلة فاشلة، تسيطر عليها السياسات الإيرانية".
لكن قرار الحرب لم يُتخذ بعد، ولا يبدو أنه وارد لا مع إيران ولا إسرائيلياً ضد لبنان، لإعتبارات عدة، اولّها أن ​الإدارة الأميركية​ الحالية لا تشجّع الحروب، بل تمتهن ممارسة الضغوط الهائلة التي تصل فيها إلى حافة الحرب من أجل فرض شروطها السياسية، وهي تنشغل الآن ب​فنزويلا​، والتمدد الصيني، والتوسع الروسي، والصمود الإيراني.
ورغم ان طبول الحرب الأميركية-الإيرانية تقرعها واشنطن مع إيقاعات إسرائيلية واضحة، لكن التفاوض خيار قائم بإندفاع أميركي وإستعداد إيراني. فلننتظر الأسابيع القليلة المقبلة ستكون مفصلية. لكن لبنان سيكون فيها مشغولاً بالأرقام التي تُقلق الموظفين والمصرفيين والعسكريين والسياسيين وكل القطاعات اللبنانية، وبتلقّي الضغوط الدولية بدءاً من واشنطن التي قرّرت عدم الإهتمام بلبنان في الشكل، وبالإستمرار في محاولة خنق "حزب الله" في الجوهر.