الله وحده سيد الحياة والموت، وهو يأخذ وديعته متى شاء، ‎اليوم نودع هامة دينية ووطنية كبيرة، إنه صاحب القداسة غبطة أبينا البطريرك الكاردينال ​مار نصرالله بطرس صفير​.
‎لقد رقد على رجاء القيامة بالرب ​يسوع المسيح​، هكذا وبكل بساطة رحل رجل الاعتدال والتقوى،
‎ولكن نحن أبناء الرجاء، أبناء القيامة، ‎لنا المسيح الرجاء، لا تشدنا الأرض وما فيها، إننا نؤمن بأن وطننا الحقيقي السماء.
‎فلتبق أعيننا شاخصة على المصلوب لنستمد منه رجاؤنا، ‎كم نحن اليوم بحاجة لهذا الرجاء، لاسيما في هذه الظروف الصعبة التي تمر بها البلاد. ‎كم نحن بحاجة إلى صلوات من التصق بالسماء ليستجلب لنا نعمة الله التي تريح النفس والضمير.
‎لقد عاش غبطته بتواضع، ‎وببساطة رحل، ‎كان إنسانا مستقيما ومحبا، ‎محبا لأنه تتلمذ على ذاك الذي احبنا حبا قاده إلى الموت على الصليب، ‎ثبت في الحق، وفي طهارة ​الانجيل​، إنه رجل المواقف الصعبة.
‎لقد أعطى، طيلة مسيرة حياته، مثالا ودرسا رائعا في الإجتهاد، وفي الخدمة والتضحية والتعب، والإيمان والصبر. ‎درسا في ثبات المواقف اثناء المحن، ‎لقد استمد قوته من تمسكه القوي بالرجاء بالله، ‎ترفع عن الجراح بتواضع وصمت، ‎تقبل الاهانات، وقبل الإساءة والشتم واللطم ودعا إلى المحبة، وذلك تمثلا بالرب يسوع المسيح الذي تقبل البصق والطعن والشتم والصلب وهو يقول: "اغفر لهم يا أبتاه لأنهم لا يدرون ماذا يفعلون". ‎لم يحد عن وطنيته يوما وعن حرصه وتمسكه بالعيش الواحد بين جميع الأديان.
‎مواقفه كانت واضحة، ‎حافظ على وحدة الكنيسة ورفض تدخل رجال الاكليروس بما كان يجري من عنف على الساحة الوطنية أثناء الحرب. ‎كان كمرساة للنفس التي تحب السلام والنقاوة والتواضع والالتزام بالكنيسة.
‎لذلك نعاه غبطة البطريرك ​الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي​ الجزيل الإحترام بأروع واقدس العبارات حين قال عنه: أنه "أيقونة الكرسي البطريركي وعميد ​الكنيسة المارونية​ وعماد الوطن". ‎هو لنا مثالا في الوطنية والتقوى والإيمان والورع، وفي كل ما كان يصدر عنه. ‎هو الذي ائتمن على رسالة المسيح، تعلمت منه الكثير.
‎جمعتني به، في الصرح البطريركي، علاقة مودة، تركت أثرا طيبا في نفسي ومشاعر محبة خالصة لشخصه. لقد شرع لي أبواب بكركي في فترة الانتخابات، وكان لي الأب والأخ والصديق والمرشد. ‎سافتقده كثيرا. في كل مرة أصعد إلى الصرح لأخذ بركة قداسته كان يزودني بزوادة ايمان وبفيض محبته ونصائحه وباحلى التمنيات لي بأن اتابع مسيرة حياتي التي رسمتها.
‎وقت الإنتخابات طلب مني ألا أتراجع عن ترشيحي وقال لي: لا تتراجع عن مبادئك... الشباب بحاجة إليك". ‎كان هاجسنا معا إيجاد فرص عمل للشباب، ‎لكي لا يهاجروا وحتى لا يغادروا الوطن. ‎كان التواصل بيننا. والله مبادر بهذا التواصل. ‎وكانت لنا عدة لقاءات. ‎وقد اهديته نسخة عن برنامجي الانتخابي: "نذرت نفسي للشعب"، ‎رسالة المحبة والعيش المشترك، تلك الرسالة التي خطتها بحبر القلب، فباركها وباركني وشجعني على الاستمرار في أعمالي الإنسانية الطيبة، ‎لذلك، كم تمنّيت لحظة تدشين كنيسة على إسم ​القديس شربل​، كنت قد رممتها في جزيرة La Réunion، ان يكون بيننا صحيحا ومعافى ليفرح بهذا الإنجاز العظيم، لكن القدر كان أقوى منا.
‎لقد كانت علاقتي به علاقة محبة صافية، وكنت معجبا جدا بمدى وضوحه وأصغائه وتجاوبه مع آرائي وطروحاتي، ‎كان الحديث معه مشوقا وممتعا، لأن كلامه يخاطب العقل والمنطق ويلامس القداسة، ‎هاجسه كان دائما الشباب وأن يشهد للحق والحرية، ‎ملازما للكلمة الصادقة التي تخرج من القلب، والحامي والحارس والمدافع عن حقوق الرعية وعن حقوق كل الشعب اللبناني، ‎كان يكره الكبرياء ويعده منجسا للروح، ‎لم يتشامخ لأنه كان يعرف ان جسده ليس له، ولا يعلم متى يأتي السارق ويخطف روحه منه، ‎هنا يكمن المعنى الحقيقي لرجل الدين، ان يكون مع الله ومع الناس، ‎وبما ان لنا نحن الرجاء بالله فلن نحزن، فهو الذي له المسيح رجاء، الآن وطنه السماء.
‎لقد أصبح لدينا قديسا جديدا في السماء، إلى جانب شربل ورفقا والحرديني والاخ اسطفان وابونا يعقوب، يرعانا من السماء ويرشدنا في طريق النور.
‎أسأل الله أن يمنحنا نعمة بركة قداسته لنكمل الرسالة التي كتبتها وخطت لها ورسمتها وأن نتبع خطواته في بشارة الإنجيل لننير العالم بنور المسيح. ‎مبارك سيدنا من الرب على الأرض وفي السماء.
‎وفي النهاية لا بد من الإشارة، أن مسيرة الكنيسة المارونية مستمرة ورسالة البطركية باقية بوجود حارس آمين هو غبطة البطريرك بشارة الراعي.
‎هو الراعي الصالح الذي يكمل ما بداه سلفه، والذي يرعى بنعمة الرب وبارشاد الروح القدس خراف الرب، ويعتني بهم، ويرعى وحدة الوطن، ويؤمن بالتعددية والشراكة الإنسانية الحقيقية بين جميع أفراد المجتمع اللبناني. اأننا نسأل الرب ان يمنحه الصحة وطول العمر ليشع النور الذي في المسيح في كل عمل يقوم به.
‎لقد رقد غبطة البطريرك، إنها مشيئة ألله، ان يكون إلى جانب الرب يسوع المسيح الذي أحبه، لكي يتذوق فرح القيامة ومجد الملكوت.
‎وعلى قول بولس الرسول: ‎"لست أشاء ان يخفى عليكم أمر الراقدين، لئلا تحزنوا كما يحزن باقي الناس الذين لا رجاء لهم. لأنه ان كنا نؤمن بأن المسيح مات ثم قام، وكذلك الراقدين بيسوع سيحضرهم الله معه".
‎رتب يا ألله مكانا نيرا لابينا غبطة البطريرك صفير مع قديسيك.