أمام هيئة ​المحكمة العسكرية​ الدائمة وقف أحد أبناء بلدة تل أبيض البقاعية، وخلال إستجوابه، سأله رئيس المحكمة العميد ​حسين عبدالله​، "هل صحيح أنك عاملت دوريّة قوى الأمن بشدّة مفرطة وطردتها من منزلك مانعاً إياها من إيقافك عن إستكمال أعمال البناء المخالفة للقوانين، وذلك بعد الإستعانة بمسلّحين كانوا يستقلّون أربع سيّارات رباعيّة الدفع وذات زجاج داكن"؟. المتهم لم يتأخر كثيراً عن الإجابة، "أبداً حضرة الرئيس لم أعامل قوى الأمن بشدة، ولم أرفع السلاح على عناصر الدورية، وأكثر من ذلك لم أكن في المنزل لحظة حصول الحادث، كل ما في الأمر أنني أبني منزلاً لإبني، وقد لزّمت مشروع البناء لمعلّم باطون من آل طليس، وهو الذي قام بما ذكرته من تُهم، فقاطعه العميد عبدالله مرةً أخرى "أفهم من كلامك أنك دفعت لمعلّم الباطون ثمن تشييد المنزل، وأعطيته مبلغاً إضافياً كي يتولى تغطية الأعمال غير المرخصة عبر معاملة قوى الأمن بهذه الطريقة وطرد الدورية بقوة السلاح؟ وأفهم أيضاً أنك إخترت هذا المعلم من آل طليس لأنه قبضاي"؟.
عندها جاء الجواب الصاعق على لسان المتهم "لزّمته كونه الأرخص سعراً بين العروض التي قُدّمت لي وكوني أعرف أنه قادر على تنفيذ الأعمال، علماً أن القوى الأمنية سطّرت بحقي محضر ضبط بسبب المخالفة ودفعته"، "وهل توقفت الورشة عن العمل"؟ أضاف رئيس المحكمة، "كلا سيدنا" ختم المتهم من بلدة تل أبيض.
هي واحدة من مئات لا بل آلاف المخالفات اليوميّة التي تسجّل في الكثير من المناطق ولا سيّما في منطقة بعلبك–الهرمل، كل ذلك تحت عنوان مخالفات البناء من دون تراخيص. وفي هذا السياق تكشف المصادر الأمنيّة أن مخافر ​قوى الأمن الداخلي​ لم تعد قادرة على إستيعاب المزيد من هذه الشكاوى التي تكلّف عمليّة متابعتها أحياناً وإزالة المخالفات الناتجة عنها سقوط جرحى وشهداء أحياناً، لذلك يرى مصدر أمني أنه "من الأفضل إذا قرّرت الدولة يوماً أن تضع حدّاً لهذه المخالفات، فعليها أن تستعين ب​الجيش اللبناني​ لا بأي قوّة أمنيّة أخرى، كيف لا والتجارب أثبتت بما لا يقبل الشك أنّ ما من أحد من مرتكبي مخالفات البناء، إلا وعثر معه على مسدس أو رشاش حربي".
إذاً، مخالفات البناء في لبنان وتحديداً في ​البقاع الشمالي​ على مدّ عينك والنظر، وقد تشكل إذا إتّخذت الحكومة موقفاً حازماً منها، مورداً أساسياً لتحويل المليارات الى الخزينة وذلك في زمن تبحث فيه الحكومة عن "فلس الأرملة" في الموازنة أكان عبر تخفيض العجز في الوزارات والمؤسسات. الحلّ بحسب خبير في هذا القطاع ليس بتسطير محاضر ضبط بحق المخالفين ومن دون توقيف الأعمال، الحلّ لا ولن يكون أبداً بالسماح بإستكمال الأعمال المخالفة. الحلّ يكون بوقف أيّ بناء مخالف، وبهدم ما تمّ تشييده من أبنية مخالفة للقوانين والباقي من حيث التنفيذ متروك للدولة وأجهزتها الأمنية والقضائية.