في كانون الأول من العام 2002، قدم مكتب وزير الدولة لشؤون التنمية الإدارية وثيقة "إستراتيجيا ​الحكومة​ الإلكترونية في ​لبنان​"، أشار الوزير فؤاد السعد حينها إلى أنه من المرتقب وضع مخطط تنفيذي عالي المستوى لإنشاء الحكومة الإلكترونية على مدى 7 سنوات.
في البيان الوزاري، أعلنت حكومة ​سعد الحريري​ الثالثة أنها "ستعمل على تحسين خدمات الادارة العامة وتفعيل استخدام تقنيات المعلومات والاتصالات للانتقال الى المعاملات الالكترونيّة واعتماد مشروع الحكومة الالكترونيّة"، في حين أنّ هذا المشروع كان من المفترض أن يتم الإنتهاء منه في العام 2009.
في هذا الإطار، من الضروري الإشارة إلى أن وجود الحكومة الالكترونيّة يخفّف على الدولة كلفة تقديم الخدمات ويحسّن انتاجيّة المواطن عبر تسهيل المعاملات وتقليص أو الغاء الحاجة للتنقّل بين المناطق والمراكز الاداريّة، كما أنّها تساهم في تقليص حجم ​الفساد​ من خلال الحدّ من الإحتكاك المباشر بين المواطن والإدارة الرسميّة.
الأهمّ من كل ذلك، بحسب ما تؤكد مصادر مطلعة عبر "النشرة"، النتائج الإيجابيّة التي ستترتب على ​الإقتصاد​ الوطني، في الوقت الذي تبحث فيه الحكومة عن تأمين إيرادات من أي مكان، وتسعى للقيام بإصلاحات على المستوى الإداري، بناء على ما تقرر في مؤتمر "سيدر". وتشير إلى أن كلفة الوقت المهدور على المعاملات من قبل المواطن تقدّر بنحو 1.2 مليار دولار سنوياً، في حين أنّ القيمة التي يمكن اضافتها على خزينة الدولة تقدر بنحو 740 مليون دولار سنوياً، من دون تجاهل أنّ كلفة الفساد، التي تساهم الحكومة الإلكترونيّة في الحدّ منه، تقارب 800 مليون دولار أميركي سنويًّا.
المفارقة اللافتة على هذا الصعيد، بحسب ما تؤكد المصادر نفسها، هي أن لبنان حلّ في المرتبة 99 عالمياً للعام 2018، وفق الدراسة الإستقصائية التي تنظمها الأمم المتحدة كل عامين لتقييم وتصنيف الحكومات الإلكترونيّة في 193 دولة ذات عضوية في الأمم المتحدة، أي أنه سجل تراجعاً 26 مرتبة عالمياً مقارنة مع ترتيب الدول في تقرير الأمم المتحدة الصادر في العام 2016.
في هذا السياق، يوضح رئيس لجنة التكنولوجيا والمعلومات النيابية ​نديم الجميل​، في حديث لـ"النشرة"، ان هذا الملف له أبعاد قانونية وتقنية وثقافية مرتبطة بالقرار السياسي بامتياز، ويشير إلى أن للحكومة الإلكترونية معنيان: الأول يتعلق بالخدمات المؤمنة للمواطن عبر الانترنت، أما الثاني فهو أكبر من موضوع تقديم الخدمات، الذي تستطيع أي وزارة أو إدارة القيام به، حيث من الممكن أن يحصل المواطن على كافة المعلومات التي يريدها عبر الانترنت، ويضيف: "أهميتها تكمن في خلق شبكة مشتركة بين كل الوزارات والمعنيين".
ويلفت الجميل إلى أنه عند تطبيق الحكومة الالكترونيّة يكون دخول المواطن عبر مفتاح أو هوية خاصة به، لكنه يوضح أنه حتى الآن ليس هناك هويّة مشتركة لكل الوزارات، والجميع يتصارع عليها، فوزارة الداخليّة والبلديات تعتبر أن هذا الأمر يجب أن يكون عندها نظراً إلى أن لديها الهويّة العاديّة وكل المعلومات عن الأشخاص الذين يتمّ تسجيلهم، بينما وزارة الماليّة تقول أن لديها الهويّة الماليّة ولا تريد الإشتراك مع الداخليّة، والأمر نفسه ينطبق على الأمن العام أو أيّ وزارة أخرى، بالإضافة إلى ذلك لم يتم ّتحويل أرشيف الوزارات إلى نسخ رقميّة.
من وجهة نظر الجميل، فإنّ الأهم من كل ذلك الثقافة والقرار السياسي، حيث كل وزير يريد حصر الخدمات لديه، ويشدّد على أن الحكومة الإلكترونيّة تقتضي الشفافيّة وشموليّة المعلومات، حيث أن أي شخص يستطيع الدخول إلى كل المعلومات الخاصة به في لبنان، إلا أنه يؤكد أنه حتى الساعة لا يوجد قرار في الدولة بهذا الموضوع، ويلفت إلى أن قانون حق الوصول إلى المعلومات لم يطبّق حتى اليوم.
على صعيد متصل، يوضح الجميّل أن تطبيق الحكومة الإلكترونيّة لا يؤمّن مدخولاً للخزينة العام بشكل مباشر، لكنه يؤكد أنها تساهم في معالجة الهدر والفساد ودعم ​الاقتصاد​ الوطني، ويشدّد على أنّ الأساس على هذا الصعيد هو وجود قرار سياسي، ويرى أن غياب المعرفة والتوعية الحقيقية في هذا المجال يؤدّيان إلى تخلّف وحالة من التردد.
في المحصلة، الحكومة الإلكترونيّة باب من الأبواب التي من الممكن أن تؤدّي إلى الحد من الهدر والفساد المستشري في الإدارات اللبنانية، بالإضافة إلى دورها في دعم الاقتصاد الوطني، فهل تطبّق الحكومة الحاليّة ما التزمت به في بيانها الوزاري على هذا الصعيد؟.