تعوّد اللبنانيون على "تسخيف" كل المواضيع، وربما قد يكون من حقهم "التنكيت" والضحك على همومهم وأزماتهم التي لا تنتهي، ولكن أحيانا قد تصبح "النكتة" سمجة، خصوصا عندما تتعارض مع الحقيقة ويكون أغلب المتداولين بقضية ما على جهل تام بحقيقتها، وهكذا هو حال تعاطي البعض مع الهيئة اللبنانيّة للطاقة الذريّة.
خلف أشجار كثيفة يقع مبنى الهيئة على طريق المطار، يظهر العلم اللبناني معلنا وجود مبنى حكوميا، فيه من العمل ما لا تقوم به مؤسسات كبيرة وكثيرة في لبنان. في العام 1996، أنشأ المجلس الوطني للبحوث العلميّة الهيئة اللبنانية للطاقة الذرية بدعم من الوكالة الدوليّة للطاقة الذرية، والهدف إيجاد بنى تحتية لتنظيم قطاع استخدام المواد المشعّة بلبنان ومراقبته واجراء البحوث العلمية لمواكبة هذا الدور.
ليست الطاقة النووية والذرية سلاحا ونقطة على السطر، بل هي بحسب مدير الهيئة الدكتور بلال نصولي، أي استخدام لمواد مشعة او لمواد مصدرة للأشعة المؤينة في أي مجال كان، بالطب، الهندسة، الزراعة، الصناعة والبحوث العلمية، مشيرا الى أنه في لبنان "مئات المواد المشعّة المستخدمة في مستشفياته ومستوصفاته ومصانعه وبحوثه العلميّة والزراعيّة".
لا يمكن ان تعمل المستشفيات والمصانع بالمواد المشعّة، دون وجود هيئة رقابة، ولبنان قد وقّع على 5 معاهدات، تضمن عدم انتشار الاسلحة النوويّة، وتحقيق الامان الاشعاعي، وتأمين الامن النووي، وأخيرا الطوارىء الاشعاعيّة. وهنا يمكن الحديث بحسب نصولي عن المهمة الاولى للهيئة، وهي إصدار التراخيص، بالتعاون مع وزارة الصحة العامة، فالهيئة ترخص كافة الممارسات التي تستخدم مواد مشعة في لبنان مثل: المستشفيات فهي بحاجة لترخيص قبل شراء أيّ مادة مشعّة، وفقا لمعايير معمول بها بمجال الأمان، وحتى بعد وصولها للمطار تتابع الهيئة عبر وسائل نقل خاصّة الى المكان المقصود، وذلك منعا لأيّ حادث تتعرض له المادة.
ويشير الى أن تصدير المواد المشعّة أيضا بحاجة الى تراخيص، فلبنان بعدد من مستشفياته يعدّ منتجا للمواد المشعّة الطبّية ويبيعها للخارج، وهذا الامر بحاجة الى تراخيص وتنظيم تقوم به الهيئة.
ثانيا تأمين الامن النووي، أي حماية المادة المشعة من الوقوع بيد ارهابيين يستخدمونها بشكل غير شرعي، وفي سياق تقديم الامثلة، يشكف نصولي عن تلقّي الهيئة منذ سنوات تقارير صادرة عن الانتربول و​الجيش اللبناني​ تبيّن ان الارهابيين بفترة معينة خطّطوا لتسميم مياه الشرب للجيش اللبناني بمواد مشعة، وكان دور الهيئة مع الجيش وكل القوى الأمنية متابعة هذه الامور، لافتا النظر أيضًا الى أنّ مدير عام الأمن العام اللواء ​عباس ابراهيم​ يعمل على إنشاء وحدة خاصة بالامن النووي بالامن العام، وبالجيش اللبناني أيضا هناك وحدة مختصة بالأمن النووي ومكافحة اسلحة الدمار الشامل تعاونت الهيئة مع قيادة الجيش على انشائها.
الى ذلك تلعب الهيئة دورا كبيرا في مكافحة الاتجّار غير المشروع بالمواد المشعّة بالتعاون مع الجمارك، فمنذ العام 2005 وضعت 16 بوابة عبور "كشف إشعاعي" في مرفا بيروت وطرابلس ومعبر العبودية والمصنع ومطار بيروت الدولي، كاشفا عن ضبط 180 حالة تهريب لمواد او نفايات مشعة من لبنان الى الخارج، و18 حالة دخول لسلع ملوثّة بالمواد المشعّة من الخارج الى لبنان، خلال السنوات العشر الأخيرة.
كما قامت الهيئة ولا زالت، بحسب نصولي، بتنفيذ برنامج الطوارىء الاشعاعيّة، اي اعداد العدة مع الاجهزة المعنيّة تحسبا لأيّ خطر قادم من خارج الحدود لتلوّث اشعاعي، ولأجل هذه الغاية نشرت 24 محطة إنذار مبكر على كافة الاراضي اللبنانيّة ضمن 24 ثكنة للجيش اللبناني، تبيّن التسرب الاشعاعي ودرجة خطورته واتجاه الرياح وسرعتها، وتعطي التعليمات لغرفة العمليّات بالجيش بضرورة إخلاء هذه الرقعة أو تلك. ويضيف: "بدأنا بالتدريبات والتجهيزات لكيفيّة التعاطي مع هذه الحالات لكلّ الاجهزة الامنيّة والصليب الاحمر و​الدفاع المدني​ وإطفاء بيروت".
لا تنتهي مهام الهيئة هنا بل هي تُدير النفايات المشعّة في لبنان ومنها نفايات المصانع والمستشفيات والبحوث العلميّة، وفي هذا الإطار يقول نصولي: "نحن نراقب ادارتها ونلزم المستخدم بكيفيّة التصرف، واليوم يمكننا أن نقول أن هذا النوع من النفايات تحت السيطرة بشكل كامل". الى جانب هذه المهام، تتابع الهيئة أوضاع المواد الغذائيّة واحوال التربة والمبيدات وغيرها الكثير من الامور التي يمكن ان يتحول إهمالها الى سلاح قاتل للشعب اللبناني.
مليون و400 الف دولار أميركي هو كامل ميزانيّة الهيئة كل عام، بينما تساهم بدخول مليون ونصف المليون للخزينة من الخدمات الإشعاعيّة، كما انها تساهم بتدريب عشرات اللبنانيين مجانا. تضم 72 موظفا، 60 منهم يتقاضون رواتب، و12 من أساتذة الجامعة اللبنانية يتابعون الأبحاث، وراتب مديرها يماثل راتب أستاذ الجامعة اللبنانيّة. هنا في المبنى المزوّد بمعدات متطوّرة جاءت بهبات خارجيّة وتعاون مع الوكالة الدوليّة للطاقة، لا تعاطٍ مع المواطنينن لا وجود لرشاوى وصفقات، هنا اناس يحملون شهادات عالية جدا، تمكّنهم من العمل خارج لبنان، ولكنهم فضّلوا العمل فيه براتب موظف رسمي.
في الهيئة اللبنانيّة للطاقة الذريّة كثير من العمل وقليل من الضجيج، ربما لأنّ عمل المختبرات يفرض الإغلاق المحكم لحجرات العمل، كيف لا وأن أي خلل قد ينشر إشعاعات مميتة، مخفيّة، لا يراها المواطنون، تماما كما لا يرون عمل الهيئة.