أوحت خطوة وزير الخارجية والمغتربين ​جبران باسيل​ بشأن مناقشة الموازنة الماليّة في مجلس الوزراء بأنه يريد "تحسين وضع الموازنة ضمن رؤية إقتصاديّة"، كما يقول مناصروه، و"الإمساك بقرار الحكومة" كما يقول خصومه السياسيون. بنظر حلفائه "ان الوقت لا يزال يسمح بمزيد من الدرس لبنود الموازنة"، وبنظر خصومه "هي ليست المرّة الأولى التي يحاول فيها باسيل التصدّر لفرض رأيه". كانت تصل محاولاته سابقاً إلى حدّ تجميد جلسات أو مشاريع أو إجهاض إتفاقات ما، في حال لم يتمّ الأخذ برأيه، مستقوياً بحاجة القوى السياسية على الضفتين إليه، وتحديداً "​حزب الله​"، وتيار "المستقبل"، عدا عن أنه الرجل النافذ في العهد الرئاسي الحالي، وتلك فرصته الذهبيّة التي قد لا تتكرّر. وهناك من يختصر خطوة وزير الخارجية بالتوصيف: باسيل شو. يستند هؤلاء إلى "تجارب الوزير الحرّيف في معرفة من أين تؤكل الأكتاف الإستعراضيّة، فهو يوحي بأنه منقذ الجمهوريّة في أيّ محطة سواء في شأن قانون الانتخابات أو الكهرباء أو الموازنة". ويسأل هؤلاء أنفسهم: هل يقتنع وزراء باسيل بطروحاته في الموازنة، أم أنهم كغيرهم يريدون الخلاص؟ يعتقد سياسيّون أن وزير الخارجية "يسعى لتقديم نفسه أنه يفهم بلغة الأرقام"، لكنّ وزراء يستحضرون طرحه بشأن مكافحة التهرّب الجمركي عبر سكانر، عندما قدّم رقم 55% كإيرادات جمركيّة جرّاء وقف التهريب، لكنّ حين تدخّل وزير العمل ​كميل أبو سليمان​ مستغرباً هذا الرقم غير الواقعي، خفّض باسيل الرقم إلى 5% فقط، بشحطة قلم.
يذهب النقاش في المجالس السياسيّة إلى أبعد من تلك التوصيفات، من خلال طرح سؤال خبيث: هل يريد وزير الخارجية تأخير إصدار الموازنة لمحاكاة إشارات خارجيّة ما ترغب ببقاء ​لبنان​ في مساحة الأزمة الماليّة–الإقتصادية، بالتزامن مع الضغوط الغربيّة على "محور المقاومة"؟ قد لا يتناسب هذا السؤال مع الواقع، بإعتبار أن باسيل هو حليف المحور المذكور، ويرتبط بعلاقات قويّة مع "حزب الله" تفرض ألاّ يكون خنجراً خفيّاً في ظهره. قد يتباين معهم في السياسات الداخلية، لكن الأمر لا يصل إلى حد التواطؤ عليهم بهذا الحجم.
تلك الفرضيّة يُطلقها السائلون، ويستندون فيها إلى وقائع: تأخّر وزير الخارجية في تقديم رؤاه الماليّة إلى آخر جلسات الموازنة، عندما أوشكت أن تولد. عجز رئيس الحكومة ​سعد الحريري​ عن مجابهة باسيل. وصمت حزب "القوات" إزاء تصرّفات وزير الخارجية.
وبإنتظار الأجوبة، لا يغيب عن جلسات النقاش أن باسيل أكدّ من خلال محاولة فرض رأيه في مشروع الموازنة أحقيّة "القوات" في كل تصرفاتهم إزاء ملفّ الكهرباء. هم الذين حاولوا في الحكومتين الحالية والسابقة إدخال تعديلات "لتصحيح وضع الكهرباء ووقف العجز في المؤسسة ومنع الهدر"، فإعتبر وزراء باسيل أن "القوّات" تتدخّل في ملفّات لا تخصّها، بل تعني وزير "التيار". أمّا ووزير الخارجية يريد أن يفعل ما لم يسمح لوزراء "القوات" بفعله، فهل يعتذر باسيل الآن من "القوات"؟.
علما أنّ وزراء "القوات" هم أول من طرحوا مكافحة التهريب الجمركي واصرّوا عليه في كل الجلسات والمناقشات. تتحمّل "القوات" مسؤوليّة تواضعها الحكومي، وهي التي تذهب إلى الإستعراض في مسائل سياسيّة عامة، لا تسمن ولا تغني عن جوع. والأسوأ أن حسابات "الحكيم" لا تتوافق مع حسابات البيدر اللبناني، ولا البيادر الإقليميّة والدوليّة. كلّها تصبّ مكاسب في خانة خصمهم "الوطني الحر". وعلى هذا الأساس يعلّق اللبنانيون بين أزمات إقتصاديّة متراكمة ومزايدات سياسيّة ستحضر بخطابات طنّانة رنّانة في جلسات ​المجلس النيابي​ قبل إقرار الموازنة، بينما اللبنانيون يريدون أكل العنب لا قتل الناطور.