على مدى أكثر من 18 جلسة، ناقش ​مجلس الوزراء​ الموازنة التي وضعتها الحكومة على رأس أولوياتها منذ ما قبل تشكيلها، لكونها تُعتبَر جوهر وأساس الورشة الإصلاحيّة التي تعتزم تطبيقها، منعاً لسيناريو الانهيار الاقتصادي الذي كثر التهويل به في الآونة الأخيرة.
وإذا كان البعض يعتبر هذه المدّة لبحث الموازنات قياسيّة في تاريخ الحكومات، فإنّ ملاحظاتٍ بالجملة قُدّمت حول الشكل والمنحى الذي ذهبت إليه النقاشات، والتي لم تخلُ من مناكفاتٍ وسجالاتٍ بين هذا الفريق وذاك، بل استعراضاتٍ وبطولاتٍ أراد البعض تحقيقها على حساب من يفترض أن يكونوا "شركاءه" لا "خصومه".
وفي وقت يوجَّه اللوم في مكانٍ ما إلى رئيس مجلس الوزراء ​سعد الحريري​ الذي لم ينجح في ضبط الجلسات، سامحاً بالتطويل والمماطلة، إلى حدّ "تبشير" وزير الإعلام جمال الجراح بعد كلّ جلسة بأنّ الجلسة المقبلة ستكون "الأخيرة"، فإنّ "التضامن الحكومي" المزعوم قد يكون مرّة أخرى الضحية، بعدما عرّته الموازنة من كلّ مقوّماته، إن وُجِدت أصلاً...

جبهات ومتاريس؟!


في الشكل وحده، تكثر الملاحظات على هامش الجلسات التي عقدها مجلس الوزراء في السراي الحكومي لبحث مشروع الموازنة، ربطاً بالتطويل والمماطلة اللذين عانت منهما الجلسات من دون سببٍ وجيه، واللذين باتا ربما نهجاً يُعتمَد في كل الاستحقاقات في لبنان، علماً أنّ بعض الخبراء ذهبوا إلى حدّ القول إنّ عدد الجلسات التي عقدت كان يمكن خلالها إقرار أكثر من ثلاث موازنات.
لكن، أبعد من التطويل والمماطلة، كان فاقعاً تحوّل مجلس الوزراء مجدّداً من ساحة نقاشاتٍ إلى جبهات ومتاريس، وهو ما تجلّى خصوصاً من خلال محاولة كلّ فريق التشويش على الآخر، وتحقيق البطولات على حسابه، ولو بعنوان وشعار خفض العجز إلى الحدّ الأدنى الممكن، وهو ما لا ينطبق مبدئياً على شعار "التضامن الحكومي" الذي رفعه عرّابو الحكومة منذ اليوم الأول، محاولين الإيحاء بوجود فصلٍ بين الأداء الوزاري والخصومة السياسية لبعض مكوّنات الحكومة.
ولعلّ السجالات التي شهدها مجلس الوزراء على امتداد جلسات الموازنة، نوعاً وكماً، تعبّر عن ذلك خير تعبير، علماً أنّها بمجملها تخطّت قاعة النقاشات، ووصلت إلى الإعلام، بل إنّ بعض هذه السجالات لم تجد موطئ قدمٍ لها سوى عبر المنابر الإعلامية، إذ شكا وزراء أنّ ما كان يقوله زملاء لهم في الحكومة عبر الإعلام بحقهم، لم يكن يجد ترجمة له خلال الجلسات، حيث كانوا يلتزمون الصمت، ولا يجرؤون حتى على تكرار ما سبق أن قالوه عبر الإعلام، في مفارقةٍ لافتة يجدر التوقف عندها.
وإذا كان السجال الأخير بين وزيري المال ​علي حسن خليل​ والخارجية ​جبران باسيل​ أخذ حيّزه عبر الإعلام، فإنّه لم يكن الوحيد، إذ سبقته سجالاتٌ بالجملة، على غرار السجال الذي وقع بين باسيل ووزير الشؤون الاجتماعية ​ريشار قيومجيان​ على خلفية النقاش بموازنة الجمعيات التابعة لوزارته، فصلاً عن سجالاتٍ أخرى دخل على خطّها وزير الصناعة ​وائل أبو فاعور​ مثلاً، ووزير الدفاع ​الياس بو صعب​ الذي تعرّض للنقد بعدما رفض إعطاء أرقام وزارته قبل وزيرة الداخلية ​ريا الحسن​ التي كانت غائبة بداعي السفر.

الحريري "مستاء"


قد تكون الخلاصة الطبيعية من كلّ ما سبق، أنّ الحكومة التي حاول رئيسها سعد الحريري تقديمها على أنّها مختلفة، جاءت "نسخة طبق الأصل" عن سابقاتها، من حكومات "الوحدة الوطنية" المتعاقبة، لكونها تفتقد الحدّ الأدنى من مقوّمات "التضامن الوزاري"، ما أوحى وكأنّ هدف الوزراء الجوهريّ ليس تحقيق الإنجازات العامّة، بقدر ما هو التشويش على "الشركاء-الخصوم"، وتسجيل النقاط عليهم في السياسة وغيرها.
وعلى رغم التزام الحريري الصمت في معظم مراحل بحث الموازنة، ثمّة من يؤكد "استياءه" من الدرك الذي وصلت إليه الأمور، والذي لم يعرّ "التضامن الحكومي" فحسب، بل خفّض الرهانات على قدرة حكومته على تقديم النموذج الموعود المغاير في العمل الوزاري، بعدما بات واضحاً أنّ هناك من قرّر إطلاق السباق الرئاسي من بوّابتها، وقبل الأوان، وهو ما يفسّر الاستعراضات التي يصرّ عليها البعض، سعياً لمكاسب آنيّة قد لا تدوم.
وإذا كان "صمت" الحريري مرتبطاً إلى حدّ بعيد بحرصه على العلاقات التي نسجها مع معظم مكوّنات الحكومة، منذ "التسوية الرئاسية" التي أبرمها مع "​التيار الوطني الحر​"، وصولاً إلى "المصالحة" إن جاز التعبير، التي عقدها مع كل من "​القوات اللبنانية​" و"​الحزب التقدمي الاشتراكي​" بعد مرحلةٍ من شبه القطيعة، فإنّ المقرّبين منه بدأوا في اليومين الماضيين برفع الصوت ضدّ الوتيرة التي وصلت إليها الأمور، والتي لا تعكس نيّة فعليّة وجدّية بالإصلاح بقدر ما تعكس نيّة بافتعال البروباغندا لتسجيل بعض النقاط.
ويطرح هؤلاء الكثير من علامات الاستفهام عن "مغزى" الإطالة التي حصلت في جلسات الموازنة،على رغم تحقيق الهدف المنشود من خفض العجز إلى حدود 7.5 في المئة،كأن يطرح أحد الوزراء مثلاً ورقةً اقتصاديّة جديدة، ويعلن "عدم رضاه" عن الموازنة، فيما كان زملاؤه يبشّرون بانتهاء النقاشات، أو أن يكرّر وزيرٌ التلويح بالاستقالة من الحكومة، بمناسبةٍ ومن دونها، وكأنّه يريد الإيحاء بأنّه من يحرّك الحكومة كما يشاء، علماً أنّ هناك انتقاداتٍ مبطنة توجّه إلى هذا الوزير بأنّه يتصرّف وكأنّه الرئيس الفعليّ للحكومة.
بيد أنّ أكثر ما أثار استياء الحريري يتمثّل في موجة التحركات والاحتجاجات التي رافقت أعمال بحث الموازنة، والتي يُحكى أنّ وزراء في الحكومة لعبوا دوراً في تفاقمها، من خلال تحريك بعض القطاعات المتضرّرة، بما يمكن أن يسهم في الضغط على الحكومة، وبالتالي تحسين موقعهم في المفاوضات الحاصلة. ولعلّ ما حصل من اقتحامٍ للسراي الحكوميّ مطلع الأسبوع من قبل العسكريين المتقاعدين كان النقطة التي أفاضت كأس الاستياء الحريريّ، علماً أنّ بعض المقرّبين من رئيس الحكومة سألوا عمّا إذا كان جائزاً مجرّد التفكير بسيناريو شبيه أمام قصر بعبدا مثلاً.

"التمثيليات" ستستمرّ...


أن تعرّي جلسات الموازنة الماراثونية "التضامن الوزاري" قد لا يكون مُستغرَباً بالنسبة إلى غالبية اللبنانيين، بقدر ما قد يكون مستغرَباً أن يكون هناك من لا يزال فعلاً يراهن على مثل هذا "التضامن"، الذي يدرك الجميع أنه ليس أكثر من شعارٍ رنّان يُرفَع بداعي البروباغندا ليس إلا.
وإذا كان من البديهيّ القول إنّ الموازنة ستمرّ في النهاية، في مجلس الوزراء وبعده مجلس النواب، بموجب اتفاقٍ شاملٍ بين مختلف أركان الحكم، فإنّ البديهيّ أكثر أنّ "التمثيليّات" المرافقة ستستمرّ هي الأخرى، لأنّ أهمّيتها "الاستراتيجية" بالنسبة إلى معظم هؤلاء، تفوق تحقيق الإنجازات، مهما كبُرت أو صغُرت...