تواجه "​صفقة القرن​" التي لا تزال موجودة كجنين في أحشاء ​الإدارة الأميركية​، أول عقبة عمليّة في مؤتمر البحرين، قبل ولادتها. الهدف الذي تسعى إليه واشنطن في مؤتمر المنامة الذي سينعقد اواخر الشهر المقبل هو جمع الأموال لإستثمار 68 مليار دولار في فلسطين، والاردن، ولبنان، ومصر. لكن من سيقدّم الأموال؟. الدول الخليجية ستكون على رأس قائمة الولايات المتحدة، كي تدفع كالعادة لتمويل أيّ مشروع، غير أنّ تلك الدول لم تُقدم على إظهار إشارة جدّية واضحة حول مسار "صفقة القرن". كلّ ما هو محسوم فقط، أن واشنطن لن تتبرّع بدولار واحد من جيوب الأميركيين، لأنّ سياسة الرئيس الأميركي ​دونالد ترامب​ تقوم على جمع الاموال وسحبها الى خزائن ولاياته لا دفعها في الشرق الاوسط، وهو قال صراحة أثناء بحث موضوع إعمار سوريا: لا مصلحة أميركيّة في إستثمار الأموال في دولة ليس فيها سوى الرمال. كل مقاربات ترامب هي إقتصادية-مالية-تجارية. فلا إستفادة لخزائن بلاده من الموضوع الفلسطيني. لذلك، يريد الأموال أن تأتي من الدول الخليجية بشكل أساسي.
بالنسبة الى الخليجيين، الأولويّة ليست في فلسطين، بل بمواجهة ​إيران​ اولاً، وتحسين اوضاع العواصم الخليجيّة إقتصادياً ثانيا، كما فعل ولي العهد السعودي محمد بن سلمان في باكستان بوضع إيداعات ماليّة وإستثمار ميناء غوادار، أو في الهند، والعراق، والسودان، وليبيا، ومصر، حيث تُخطط الرياض للإستثمار في كل من تلك الدول المذكورة إقتصادياً، وتحصل على الدعم المعنوي منها والمؤازرة السياسية بذات الوقت، في وجه الجمهورية الإيرانيّة.
عدا عن أن تبني "صفقة القرن" من دون رؤية سياسية واضحة، سيُحرج العرب امام الشعوب في كل مجال، في وقت يظهر فيه الأتراك والإيرانيين مدافعين عن القضية الفلسطينية، ويرفعون رايتها في وجه الصفقة وتفاصيلها. لذا، لا يوجد دولة عربيّة واحدة تبدي قبولها حتى الآن بصفقة القرن. لم يستطع صهر الرئيس الأميركي جاريد كوشنير إقناع عاصمة عربيّة، ربما بإستثناء المنامة، بأهميّة الخطوة. مما يعني أن مؤتمر البحرين سيكون هزيلاً، وينشغل بالحديث عن العناوين الإقتصاديّة المرتقبة. غير أنّ القضيّة الفلسطينيّة ليست شركة تجاريّة أو مؤسسة للإستثمار، أو مساحة قابلة للبيع والشراء.
تشعر الإدارة الأميركية بعمق الأزمة التي أرادت تجميلها للحفاظ على ماء الوجه، بالتراجع من مؤتمر الإعلان عن الصفقة سياسياً، إلى إنعقاد قمة إقتصادية حاشدة في الشكل، فارغة الجوهر.
ماتت "صفقة القرن" بحلول ورشة المنامة الإقتصاديّة، بعدما صمد الفلسطينيون بمعارضتها، ولم ينل مشروع ترامب تأييداً عربياً، فتراجع عدد المؤيدين للصفقة تدريجياً، وعارضها الأتراك، وواظب الإيرانيون على إلتزامهم بالقضية، ولم تظهر حماسة الروس، ولم يؤيدها الصينيون، ولم يكترث لها الاّ عدد محدود من الدول الاوروبية.
غدا سيقول مشاركون في مؤتمر المنامة، إن موقفهم من المؤتمر الإقتصادي، لا يعني الموافقة على "صفقة القرن"، بل ربما سيربط بعضهم الدعم المالي بصمود الفلسطينيين في ارضهم.
يراهن الرئيس الأميركي على إستغلال الحاجة الخليجيّة إليه الآن ضد إيران، وهو رفع من السقف السياسي ضد طهران وحرّك أساطيله الحربيّة للحصول على تأييد خليجي بشأن "صفقة القرن". لكن الإسترضاء سيحمل نتائج خجولة متردّدة لا آثار لها، ولا فعاليّة عمليّة، بل هي تعني ولادة الجنين ميتاً، ودفنه من دون أسف أو وجود معزّين.