لا يزال تيار "المردة" ثابتا على مواقفه الاستراتيجيّة منذ نشأته. قد يكون من التيارات القليلة جدا في لبنان التي لم تبدّل توجهاتها او تعدّلها بحسب رياح المحيط، وهذا أمر يُحسب له. ولكن ما تغيّر هو علاقته بالأحزاب والتيارات الاخرى، وتحديدا على الساحة المسيحيّة، فتحالف مع "​التيار الوطني الحر​" وتخاصم، و"تقاتل" مع "​القوات​ اللبنانية" وتسامح، واليوم يتحضّر لاستحقاقات مقبلة.
لا يعتبر النائب في كتلة "المردة" ​طوني فرنجية​ أن تياره انفصل عن "التيار الوطني الحر" بكل أمر، فالرؤية الاستراتيجيّة المشتركة لا تزال نفسها، ولكن التحالف القديم انتهى، وربما يجوز أن يكون له تسمية مختلفة، فهو من اللحظة الأولى كان مثيرا لعلامات استفهام كثيرة، اذ كان التيار وكأنه خجلا من التحالف معنا ونحن حلفاء سوريا.
مع "القوات" تبدو الأمور "الشخصيّة" أفضل، فالعلاقة التي بدأت بمصارحة ثم مسامحة، تتفاعل وتتوسّع، دون أن تمسّ بنودا سياسيّة بسبب الاختلاف الجوهري القائم بين الفريقين. يؤكّد فرنجيّة أن تياره لا يسعى ولا يهدف لتحجيم "التيار الوطني الحر"، و"اذا كان تحجيم التيار على حساب تقوية القوات فلا نريده أيضا".
خلال جلسة مشتركة بين ​صحافيين​ وناشطين وفرنجية، دار النقاش حول دور تيار "المردة" في المرحلة المقبلة ومشاريعه السياسيّة، خصوصا، وان الاستحقاق الرئاسي المقبل سيشهد بروز هذا التيار بشكل كبير مع وجود رئيسه سليمان فرنجيّة على رأس المرشحين للرئاسة. لا يخفي فرنجية الابن انه وزملاؤه النواب يقصّرون مع الإعلام، ولكنه بالمقابل يؤكّد انه لا يريد ولا يتقن لعب دور البعض بالمزايدات الاعلاميّة وحب الظهور الإعلامي، مشيرا الى أن الاختفاء أمر سيّء وكثرة الظهور تكاد تكون اسوأ.

الانفجار قريبا؟

في ال​سياسة​، يعلم فرنجية "حجم استغلال الوطني الحر للسلطة والعهد"، ويعلم بأن "عدم وضوح أي مشروع "مسيحي" مقابل يعني تفرد الوطني الحر بالساحة ​المسيحية​"، وهو ما يحاولون القيام به عبر التوظيف اولا حيث تشير معطيات "المردة" الى وجود 31 ألف حالة توظيف قام بها التيار الوطني منذ 2017، بعضها في ​زغرتا​ ومحيطها، والتعيينات ثانيا، حيث بات القضاة ​المسيحيون​ والمدراء، وكل الموظفين يحتاجون الى "تصريح عمل" من وزير الخارجية ​جبران باسيل​. ويذكر فرنجية بسياسة الاخطبوط التي سميت تيمنا بأحد سياسيي المتن، مشيرا الى أن هذه السياسة لم تعطِ صاحبها ما أراده من حب الناس، فاضطر للتحالف مع القوي بإحدى الانتخابات.
اما عن سبل المواجهة السياسيّة، فيكشف فرنجية أن السكوت عن التوظيف والهدر والمشاريع قد لا يطول، وأن الانفجار قد يكون قريبا. ويضيف: "الى متى سنبقى بين خيارين، سيء وأسوأ، والى متى سنضطر للسكوت لأجل عدم تعطيل البلد، علما أن غيرنا عطّل البلد لأجل مصالحه".

"الإبن يعارض والده"؟


في الانتخابات النيابية الأخيرة جيّرت "المردة" أصواتها في أكثر من مكان الى مرشحين حلفاء، الأمر الذي لم ولا يؤيده سليمان الإبن. عارض والده يومها ولا يزال يؤيد خيار "التوسّع"، واليوم يعد بأن يكون للمردة مرشحين في اكثر من منطقة، خصوصا ان القانون الانتخابي أصبح عاملا مساعدا، فالرجل يرى بطرح رئيس ​مجلس النواب​ نبيه بري "لبنان دائرة واحدة" طرحا مثاليًّا ونموذجيًّا ويحمل من الكمال ما يجعله غير قابل لانتقاد، ولكنه "صعب المرور". لذلك يشدّد فرنجية على ان تيار المردة يرى باتفاق الطائف خشبة خلاص بكل بنوده، خاصة تلك التي تطلب إلغاء الطائفيّة السياسيّة، أما بالقانون الانتخابي فلا يبتعد عن الطائف أيضا الذي حدد المحافظات الخمس دوائر انتخابيّة، الى جانب النسبيّة التي أثبتت فعاليتها.

فتح أبواب الرئاسة

لا يمكن أن يغيب ملفّ الرئاسة عن جلسات آل فرنجية، ورغم أن الوقت لا يزال مبكرا لهذا الاستحقاق، الا ان مقاربته على أساس الظروف الحالية ليست مستحيلة. على افتراض أننا وصلنا الى الاستحقاق بنفس ظروف اليوم، فإن مرشحين اثنين سيتنافسان على المركز، هما بحسب فرنجية، والده، وجبران باسيل، مشيرا الى أنّ موقف "​حزب الله​" يحسم النتيجة، فإن وقف الحزب مع باسيل يصبح رئيسا. اما اذا تبدّلت الظروف، فقد نشاهد رئيسا لم يكن بالحسبان.
ينطلق فرنجية من عائلة سياسيّة عريقة، يعلم بأنها تتحمّل مسؤولية مشاركتها بالسلطة بالفترة الماضية، لذلك فهو لا يغضب عندما يحمّله البعض مسؤولية الدين العام، بل على العكس يسعى لأن يبرز كنائب شابّ لمحاولة تغيير القليل من الواقع، بدءا من زغرتا عبر فكرة إنشاء فريق كرة سلّة لنادي السلام زغرتا، وصولا الى مناطق لبنانيّة جديدة، ما يجعل تيار "المردة" في موقع المهاجم سياسيا لا المدافع.