تتراكم الخلافات بين الحزبين "التقدمي الإشتراكي" و"الديمقراطي اللبناني"، في مشهد يُنذر بإشتباك سياسي درزي مفتوح، لا يُمكن إستثناء العناوين الإستراتيجيّة منه، ولا التفاصيل الثانويّة. وكان دخل على الخط رئيس حزب "التوحيد العربي" وئام وهّاب بتصالح مع إرسلان أعادا بموجبه رصّ صف "٨ آذار" درزياً.
يُسجل الفريقان تقدّماً شعبياً أكدته الصناديق في الإنتخابات النيابية الماضية، وكاد فيه وهّاب أن يطيح إنتخابياً بمقعد النائب ​مروان حمادة​ في الشوف، لو كان حصل على اصوات شيعية كافية.
لم يرتح جنبلاط للمشهد، وهو كان أرسل ل​حزب الله​ عبر رئيس المجلس النيابي ​نبيه بري​ رسائل عدة تحت عنوان: عندي هواجس واريد ضمانات. لكن ما هي الضمانات التي يريدها؟ تقول مصادر مطّلعة أن جنبلاط يشعر أن هناك تضييقاً عليه، من قبل الحزب والتيار "الوطني الحر" في اكثر من موضع وملفّ، في وقت يشعر فيه "الإشتراكيّون" أنّ البساط يُسحب من تحتهم في الجبل، بعد نفوذ وتفرّد منذ تطبيق إتّفاق الطائف حتى الامس القريب. لن يقبل كل من إرسلان ووهّاب أن ينال "التقدّمي" كل الحصّة الدرزيّة في مؤسسات الدولة. يقول أحد المطّلعين في مجلس سياسي درزي: خسر مشروع جنبلاط في الداخل والخارج، فلماذا يتعاطى معه الآخرون على أساس أنه الممثّل الوحيد للساحة الدرزيّة؟ لن نقبل بعد اليوم، فلو ربح مشروع "١٤ آذار" كانوا اطاحوا بنا، كما فعلوا عام ٢٠٠٥.
يعني هذا الكلام أنّ العناوين الإستراتيجيّة هي في اساس اللعبة السياسيّة اللبنانيّة، ومن ضمنها ما يجري درزياً. لكن ذلك لا يطمس حقائق ويوميات يعدّدها المطّلعون. يقولون: لقد باتت الشرائح الشعبية تتذمّر من تفرّد جنبلاط في وقت يعاني منه اللبنانيون من الازمات الإقتصاديّة والمعيشيّة. يستحضرون أمثلة عدة، وآخرها الإشتباك الذي جرى على خط المختارة-خلدة بشأن معمل جرود ​عين دارة​: إستند ارسلان إلى مطالبة أهالي الجبل بالحصول على فرص العمل المفقودة، وهم يعوّلون على المجمّع الصناعي في عين دارة، لتوظيف مئات العاملين من اهالي المنطقة، فتبنّى ارسلان رأيهم، و خصوصا ان هناك احكاماً قضائية تقضي بفتح المعمل وبدء العمل فوراً من دون تأخير.
يقول مطّلعون ان "المير طلال" عقد العزم على متابعة هذا الملفّ، بعدما لمس وجود فوائد إقتصاديّة وعدم وجود ضرر بيئي، في وقت لا يزال جنبلاط يصرّ على منع العمل في المجمع في عين دارة. ويروي اهالي المنطقة ان "الإشتراكي" نشر أشخاصًا زُعِمَ أنّهم مسلّحون في عدد من الغرف المتواجدة بين ​ضهر البيدر​ وجرود عين دارة.
فهل يتحول هذا الملف الى عنوان ساخن بين المختارة وخلدة؟ خصوصا ان كل ما حكي هو ان جنبلاط طالب بحصة قي المجمع الصناعي، كي يوافق على السماح بالعمل فيه، تحت حكم الامر الواقع. مما يدع خصوم جنبلاط يؤكدون ان عناده في رفض المعمل ناتج عن مصلحة شخصية ماليّة فقط، وهو ما جعل "حزب الله" يتصلّب في رأيه في مواجهة الرفض الجنبلاطي، "لأن زمن الفرض قد ولّى".
سيستغل ارسلان هذا العنوان للقول ان مصلحة الناس اولويّة، وقد بدأ انصاره بالاشارة الى التلوّث الذي تسببه معامل من الجية الى سبلين الى ​الشويفات​ ومناطق اخرى، في تلميح الى دور جنبلاط في المشاركة او تغطية فساد بيئي في اكثر من إتجاه.
في كلّ الأحوال، توحي كل تلك المعطيات أنّ الإشتباك السياسي الدرزي سيزداد يوما بعد يوم، على وقع تراجع نفوذ جنبلاط الذي يظهر انه يراهن على متغيّرات إقليميّة وعاداته في "التكويع" وتبديل الخطاب السياسي بحسب الظروف والمصالح التي تحل. غير أن الوقائع هذه المرة مختلفة بالكامل، وقد تفرض مشهدا نيابيا وسياسياً جديدا في المساحة الدرزية، تخفف من وهج المختارة التاريخي، وهو ما يُشعر "البك" بالقلق.