من عند مؤسس ​الجيش​ اللبناني، وأول قائد جيش رئيسًا للجمهورية، ​اللواء​ فؤاد شهاب، إختار قائد الجيش ​العماد جوزيف عون​ توجيه رسائل في كل الإتجاهات، إلى الداخل وإلى الخارج، وفي توقيت بالغ الدقة إذ اراد ان تكون رسائله في الوقت الفاصل بين انطلاق الموازنة من طاولة مجلس الوزراء إلى قاعة ​مجلس النواب​.
***
من متحف اللواء فؤاد شهاب في ​جونيه​، تذكَّر العماد جوزيف عون اللواء شهاب فعدَّد انه "القائد والرئيس الذي جمع بشخصه صفات ​القيادة​ والمسؤولية كما التواضع والإنسانية". هو القائل بأن ​الاستقلال​ يبنى. لا يؤخذ ولا يعطى. هو القائل بأن الجيش هو مدرسة الوحدة الوطنية بالتفكير والممارسة. كلمات لا يزال صداها يتردد حتى يومنا هذا، وبخاصة في الاستحقاقات المفصلية والمصيرية التي أحوج ما تكون الى استعادة هذه المواقف واستخلاص العبر منها.
نجح الرئيس الراحل اللواء فؤاد شهاب في جعل ​المؤسسة العسكرية​ نموذجا وطنيا في الشرف والتضحية والوفاء، مؤسسة عابرة للطوائف والمناطق. حمل معه مناقبيته العسكرية وفكره المؤسساتي الى بناء الدولة.
***
يجدر التوقف مليًا عند هذا الكلام الذي يبدو أنه كُتِب بعناية فائقة ليستحضر "التواضع والإنسانية والقيادة والمسؤولية"، وكأن بقائد الجيش يُذكِّر بمزايا باتت نادرة في أيامنا هذه.
***
ومن تعداد المزايا للوصول إلى ايامنا هذه، يُنبِّه قائد الجيش إلى "أن المؤسسة العسكرية، وهي جزء من البنية الاقتصادية اللبنانية، ليست بمنأى عن أي تقشّف قد يتطلّبه ​الوضع الاقتصادي​، وقد كنّا السبّاقين إليه منذ فترة اقتناعا منّا بأن المال العام هو أمانة وعلينا المحافظة عليه. اعتمدنا منذ نحو عامين ​سياسة​ مالية مدروسة تحدّد النفقات وفقا للحاجات الضرورية فقط رغم المتطلّبات الكثيرة نتيجة التحدّيات الداخلية والإقليمية، والتي تفرض جهوزية عسكرية قصوى وما يرتبط بها من أمور لوجستية وإدارية وطبّية. وأعدنا العام الماضي جزءا من موازنة الجيش الى خزينة الدولة".
هنا يجدر التوقف عند هذه الملاحظة، فمَن مِن المؤسسات في ​الدولة اللبنانية​ أعادت جزءًا من موازنتها إلى خزينة الدولة؟ جميعهم من دون استثناء صرفوا موازناتهم وأكثر، الا يستحق هذا الأمر التوقف عنده ومساءلة مَن انفق بما يفوق موازنته؟
***
وبعد هذا العرض يصل قائد الجيش إلى بيت القصيد، الى حيث يتدخل الجميع في شؤون الجيش، فيقول:
"منذ انطلاق مناقشة الموازنة التي بدت مجحفة بحق مؤسسة أقسم عسكريوها على الولاء للوطن والوفاء لقسمهم بالذود عنه، تكشّفت نوايا استهداف طالت من هم في الخدمة الفعلية ومن تقاعدوا بعد أن قدّموا حياتهم خدمة لبزّة الشرف والتضحية والوفاء".
في هذا الموقف العالي السقف والجريء رسائل مباشرة بالقول:
"لم يُترك للجيش خيار تحديد نفقاته وباتت أرقام موازنته مباحة ومستباحة من قبل القاصي والداني وعرضة للتحليلات والنقاشات، وكأن المقصود إقناع الرأي العام بأن الجيش يتحمّل سبب المديونية العامة. حتى أن توزيع مهام الجيش وتحديد الأفضلية في التدابير العسكرية أصبح مادة جدلية تتم مناقشتها على المنابر وفي الصالونات، علما أن قيادة الجيش هي وحدها من تقرّر ذلك".
وكأن بقائد الجيش يقول في هذا الكلام: إرفعوا أيديكم عن الجيش، فقيادته أعرف منكم بحاجاته، فحين يلبي النداء لا يسألكم ان تشاركوه في تقديم الدم والشهداء.