منذ بدء تفاقم الاشتباك السياسي بين "​تيار المستقبل​" و"​التيار الوطني الحر​" على خلفية تصريحاتٍ نُسِبت إلى وزير الخارجية ​جبران باسيل​، التزم رئيس الحكومة ​سعد الحريري​ الصمت، صمتٌ تعدّدت تفسيراته بين من قرأ فيه تريّثاً بانتظار انتهاء عطلة عيد الفطر وجلاء الصورة، ومن اعتبره موافقة ضمنية على كلّ ما صدر ويصدر عن قياديّي "المستقبل".
إلا أنّ ما لم يقله الحريري جاهر به تلفزيون "المستقبل"، الذي يمكن القول إنّه نقل الاشتباك إلى مكان آخر تماماً، بحديثه عن جهة سياسيّة من البيئة السياسية للحريري "تتحيّن الفرص لرصد هجمات الآخرين والدخول منها على خطوط الهجوم عليه والاساءة إلى دوره من مواقع الدفاع عنه"، وصولاً إلى حدّ الإشارة العلنية إلى أنّ هذه الجهة "تخرج من أوكار إعلاميّة وسياسيّة تقيم على الرصيف السياسي لبيت الوسط".
وإذا كانت المحطّة "اجتهدت" في جعل لسان حال الحريري ينطق بحكمة "اللهم احمني من أصدقائي أما أعدائي فأنا كفيل بهم"، فإنّ علامات استفهام عدّة تُطرَح، لعلّ أبرزها يتمحور حول ما إذا كان صراع الأجنحة داخل "المستقبل" عاد للظهور من جديد، بعدما اعتقد الحريري أنه قضى عليه من جذوره...

الحريري مستاء


"اللهم احمني من أصدقائي أما أعدائي فأنا كفيل بهم"، حكمةٌ لم يكن اختيارها لينطق بها لسان حال الحريري، من جانب المحطة التلفزيونيّة التابعة له، ليأتي عن عبث، في عزّ الحملات المتبادلة بين "تيار المستقبل" و"التيار الوطني الحر"، خصوصاً أنّها تحمل بين طيّاتها الكثير من المعاني، التي تتجاوز بطبيعة الحال جوهر الاشتباك السياسي، بل تنقله من مكان إلى آخر.
ولعلّ الرسالة الأولى التي تحملها هذه الحكمة أنّ الحريري يعرف كيف يحلّ مشاكله مع خصومه، وتحديداً الوزير جبران باسيل، هو الذي عرف كيف يبني معه علاقة "صداقة" إن جاز التعبير تتجاوز كلّ الخلافات والاختلافات، منذ إبرام التسوية الرئاسيّة التي أفضت إلى انتخاب العماد ​ميشال عون​ رئيساً للجمهورية، وهي علاقة تجاوزت العديد من المطبّات والألغام التي اصطدمت بها على مدى الأشهر الماضية، وعلى خلفيّة الكثير من الملفّات التي لم تكن مقاربتها "مشتركة" بين الجانبين، وذلك انطلاقاً من القناعة الراسخة بضرورة الحفاظ على هذه التسوية التي حقّقت استقراراً سياسياً كانت البلاد ولا تزال بأمسّ الحاجة إليه، للانطلاق في ورشة الإصلاح الموعودة.
وانطلاقاً من ذلك، فإنّ الحريري "مستاء" بلا شكّ من أن تخرج الحملات على باسيل من قلب بيئته السياسية، وهي حملاتٌ قد يكون هدفها الشكلي "البريء" هو الدفاع عن رئيس الحكومة وموقعه ومقامه، إلا أنّها تُظهِره بموقع الضعيف والعاجز، خصوصاً مع الحديث المتكرّر عن صراع الصلاحيّات، و"الاجتهادات" الّتي تذهب إلى اعتبار أنّ باسيل يتصرّف وكأنّه الرئيس الفعليّ للحكومة، كما حصل خلال جلسات مجلس الوزراء التي خُصّصت لمناقشة الموازنة، وفي ذلك "ذمٌ" للحريري قبل غيره، باعتبار أنّه ارتضى هذا الواقع، وخضع له، وفق قاعدة لا حول ولا قوة.

الأجنحة نفسها؟!


وبمُعزَلٍ عمّا إذا كان الحريري راضياً على مسار علاقته مع باسيل، أو أنّه يسعى فعلياً إلى إعادة النظر بها، فإنّ كلّ المعطيات تؤكد أنّه لا يزال متمسّكاً بها لاعتباراتٍ كثيرة، بعيداً عن الانفعالات العاطفية والوجدانية، وذلك لأنّه يدرك أنّ الحكومة التي يرأسها، والتي وعدت بتحقيق الكثير، لن تستطيع أن تفي بأيّ من تعهّداتها في ظلّ الخلاف بين أكبر مكوّنيْن فيها، بل إنّ مصيرها يصبح عندها على المحكّ، ومعه مصير البلد برمّته، وهو العالق بين النهوض وما يتطلبه من عمل جدّي، والانهيار والذي تبدو مقوّماته أكثر من متوافرة.
من هنا، يمكن القول إنّ سهام الحريري تُوجَّه إلى من يدّعون الدفاع عنه مِن القريبين منه، قبل خصومه وأعدائه الذين باتوا يخدمون موقفه أكثر من رفاقه في الصف السياسي الواحد، الذين بات واضحاً أنّه أكبر المتضرّرين من "البروباغندا" التي يقومون بها. وفي هذا السّياق، ثمّة من يعتقد أنّ "استياء" الحريري ناجمٌ بالدرجة الأولى عن "حنين" البعض إلى صراع الأجنحة السابق في التيار "الأزرق"، وسعيهم إلى إعادة إحيائه، بل إنّ المفارقة أنّ الأجنحة التي باتت اليوم تعلن عن نفسها، مباشرةً أو مواربةً، هي تقريباً نفسها تلك التي كانت داخل "المستقبل"، في زمن ما قبل التسويات والتفاهمات، التي فرضها الحريري على الجميع.
ويذهب هؤلاء إلى القول إنّ أكثر ما أزعج الحريري في كلّ ما حصل خلال الأيام الماضية، أنّ وزير الداخلية السابق النائب نهاد المشنوق كان عملياً هو "مفجّر" الاشتباك بالمستوى الذي وصل إليه، بعد الزيارة التي قام بها إلى دار الفتوى، على رغم أنّه كان أصلاً هو "عرّاب" العلاقة مع "الوطني الحر"، بل هو من أقنع الحريري بالمضيّ باتجاه وثبات نحوها. وإذا كان ثمّة من يفسّر موقف المشنوق بأنّه يسعى إلى العودة إلى الساحة بشكلٍ أو بآخر، بعد تراجع دوره منذ الانتخابات النيابية، وتحديداً بعد اختلافه مع الحريري على خلفية عدم التجديد له وزيراً للداخلية، فإنّ هناك من يعطي أبعاداً أخرى لـ"انقلابه" على موقفه السابق، تتعلق بطموحاته التي لم تعد بخافية على أحد، والتي يندرج في إطارها أيضاً تلويحه السابق بإمكان "الاستقلال" عن الحريري وتيّاره.
وعند الحديث عن "الطموح"، لا بدّ أن يحضر "طيف" وزير العدل السابق اللواء أشرف ريفي، الذي يعتقد كثيرون أنّ تصعيد المشنوق مرتبطٌ به بدرجةٍ كبيرة، في استعادة لحرب "المزايدات" القديمة-الجديدة بين الرجليْن، والتي يبدو أنّها عادت إلى أوجها، خصوصاً بعد "المصالحة" التي تمّت بين الحريري وريفي، علماً أنّ الوزيرين السابقين يلتقيان على رغم اختلافاتهما وتبايناتهما القصوى، على الرغبة بأن يخلفا الحريري في موقعه كرئيسٍ للحكومة في أيّ لحظة اشتباكٍ يقرّر الأخير فيها أنّه يريد أن يبتعد بعض الشيء، كما فعل سابقاً حين أسند موقعه إلى كلّ من رئيسي الحكومة السابقين فؤاد السنيورة وتمام سلام.

لا عودة إلى الوراء


بالنسبة إلى الحريري، لا عودة إلى الوراء بأيّ شكلٍ من الأشكال. ينطبق ذلك على العلاقة مع "التيار الوطني الحر" التي يتمسّك بها الرجل، لأنه يدرك أنّها "شرطٌ" لتحقيق النهوض الاقتصادي الموعود، لكنّه ينطبق أكثر على وضع تيّاره السياسي، لأنّه يعرف أنّه سيكون "الخاسر الأكبر" في حال عودة زمن "التمرّد"، مع كلّ تبعاته التي سبق له أن جرّب "مُرّها".
وبانتظار الخطوات العملية التي يمكن أن يقدم عليها الحريري بعد انقضاء عطلة عيد الفطر وعودته من الخارج، والتي يفترض أن تصبّ في هذه الخانة، يبقى السؤال عن "المستفيد" من تكريس حالة عدم الاستقرار في هذا التوقيت، ولدى البلاد ما يكفيها من مشاكل وأزمات تتجاوز بطبيعتها طموحاً من هنا، أو انقلاباً من هناك...