بعد هجومه العنيف عبر توتير على محافظ جبل لبنان محمد مكاوي (قال عنه رئيس الحزب الإشتراكي إنه موظف صغير) وعلى تيار "المستقبل" الذي وصفه بـ"التائه المتخبّط"، سُئل رئيس الحزب التقدمي الإشتراكي ​وليد جنبلاط​ عن خلافه مع التيار الأزرق الذي فجّره رفض رئيس بلدية شحيم الحالي، وهو "مستقبلي" تسليم الرئاسة في السنوات الثلاث المتبقية الى عضو إشتراكي تنفيذاً للإتفاق المبرم بين الفريقين، قال، "خليهم ينبسطوا (رئيس ​الحكومة​) ​سعد الحريري​ و(وزير الخارجيّة) ​جبران باسيل​".
فما دخل باسيل بما يحصل في شحيم؟ ولماذا هذا الهجوم الإشتراكي العنيف على رئيس الحكومة ورئيس التيار الوطني الحر؟ ما سبب هذا التوقيت لفتح النار؟ وهل القضية فقط مجرد خلاف بلدي قائم في شحيم وآخر مع التيار البرتقالي في الجية؟.
"الأمر أبعد بكثير من رئاسة بلدية" تجيب المصادر المطلعة على موقف الزعيم الدرزي، وتضيف "لقد طفح كيل جنبلاط مما بات يعرف بـ"التسوية الرئاسيّة" نظراً لتداعياتها السلبيّة على حزبه، ولأنها ألحقت به الكثير من الضرر السياسي لا سيما في المنطقة التي يعتبرها حصنه الإنتخابي المنيع، والمقصود هنا الشوف وعاليه".
إذاً المسألة مسألة تراكمات دفعت بجنبلاط الى مهاجمة الحريري وباسيل، تراكمات أوصلت الزعيم الدرزي الى قناعة مفادها أن كل الضربات السياسية التي تلقاها في السنوات الماضية، سببها تحالف الرجلين". وفي تفصيل أوضح لهذه الضربات، تفندها المصادر المتابعة لكواليس المختاره على الشكل التالي:
ضربة أولى من قانون الإنتخاب النسبي، الذي أفقد الحزب الإشتراكي أحادية التمثيل في معقله، دائرة الشوف–عاليه، حيث خسر في المعركة الإنتخابية من أصل ١٣ مقعداً، مقعدين في الشوف، ومقعدين آخرين في عاليه، واحد في صناديق الإقتراع والآخر بالتزكية بعد تركه مقعداً درزياً شاغراً على لائحته. حتى بين النواب التسعة الذين فازوا على لائحة الإشتراكي، هناك نائب منهم لتيار المستقبل، ونائبان للقوات اللبنانية، الأمر الذي يجعل الحصة الإشتراكية الصافية في الدائرة ٦ نواب فقط من ١٣. هذا من دون أن ننسى الرقم المرتفع جداً من الأصوات الذي حصده رئيس حزب التوحيد الوزير السابق وئام وهاب.
ضربة ثانية تلقاها جنبلاط في تشكيل الحكومة، عندما أُضطر بفعل موقف تكتل لبنان القوي المنسّق مع رئيس الجمهورية العماد ميشال عون، على التخلي عن المقعد الدرزي الثالث لمصلحة صالح الغريب وهو إبن شقيق شيخ العقل ناصر الدين الغريب المسمى في خلده والذي لا يعترف به جنبلاط، كل ذلك من دون أن يدعم الحريري جنبلاط في معركته هذه كما كان يحصل سابقاً.
أما الضربة الثالثة، فإرتبطت أيضاً بإسم صالح الغريب الذي تولى بموافقة الحريري وباسيل حقيبة الدولة لشؤون النازحين، وهذا ما أزعج جنبلاط كثيراً لسببين: الأول لأن الغريب مقرب من النظام السوري، والثاني لأن الزعيم الدرزي لمس نيّة لدى الحريري وباسيل بنقل صلاحيّة تلقّي المساعدات التربويّة التي تأتي للطلاب السوريين من وزارة التربية الى وزارة الدولة لشؤون النازحين.
الضربة الرابعة جاءت أيضاً بعنوان صالح الغريب، وتحديداً عندما لاحظ جنبلاط أن الوزير باسيل أصر على تسميته في لجنة البيان الوزاري التي جرت العادة أن يقتصر التمثيل الدرزي فيها على وزير إشتراكي فقط.
ضربة خامسة تلقّاها جنبلاط، وتمثلت بتسمية باسيل حزبياً من الشوف وتحديداً من بلدة بطمة جارة المختارة، وزيراً للمهجرين إسمه غسان عطاالله، مع ما تعنيه هذه الحقيبة بالنسبة الى الحزب الإشتراكي من ثقل خدماتي عنوانه التعويضات المالية.
فوق كل هذه الضربات، تلقى جنبلاط ضربة سادسة من الحريري وسرعان ما أعلن باسيل دعمه لها. ضربة تمثلت بإعطاء المدير العام لقوى الإمن الداخلي اللواء عماد عثمان الإذن للقضاء بملاحقة عدد من ضباط قوى الأمن المتهمين بقضايا فساد، ومن بينهم ضابط محسوب على جنبلاط.
إذاً القصة أبعد بكثير من رئاسة بلدية في إقليم الخروب. القصة قصة تراكمات وضرر سياسي، عبّر عنه جنبلاط على طريقته.