يعود مساعد وزير الخارجية الاميركية ​ديفيد ساترفيلد​ الى بيروت في مهمته الاخيرة على اغلب الظن، قبل ان ينتقل الى مقرّ عمله الجديد في أنقرة، بعد ترتيب العلاقة المتشابكة بين تركيا والولايات المتحدة الاميركية، خصوصاً انّ زيارة الرئيس الاميركي دونالد ترامب الى تركيا، والمقرّرة مبدئياً في تموز المقبل، لا تزال قائمة حتى الساعة، ما يستوجب وجود سفير أميركي في السفارة الاميركية لمواكبة الزيارة.
ساترفيلد مهّد لعودته ببث أجواء إيجابية رغم الرسائل الاسرائيلية، والتي جاءت على شكل إعلان مناطق مزارع شبعا وصولاً الى جبل الشيخ مناطق عسكرية، بسبب تهديدات متوقعة من قِبل «حزب الله» وفق التبرير الاسرائيلي.

لكن ساترفيلد سيحمل على الأرجح جوابين إيجابيين حيال النقطتين اللتين كانتا لا تزالان عالقتين وتتعلقان بالتالي:

أولاً: إصرار الجانب الاسرائيلي على تحديد المهلة الزمنية للتفاوض بستة اشهر فقط، فيما الجانب ال​لبنان​ي كان يرفض اي شكل من أشكال التحديد الزمني، على اعتبار أنّه في حال انقضاء المدة وعدم التوصل الى تحقيق تقدّم في المفاوضات، فماذا سيحصل؟

وثانياً، تمسّك الجانب اللبناني بأن تكون النتائج المتعلقة بالمرحلة الاولى بالمفاوضات حول الحدود البرية غير نهائية او مُلزمة، الّا بعد الاتفاق على الحدود البحرية، وبحيث يكون هنالك تفاهم واحد واتفاق واحد يشمل المرحلتين، ولا يكون اتفاقان منفصلان.

وبعد ساترفيلد، من المفترض ان يدخل ديفيد شينكر على خط هذا الملف، بعد أن جرى تعيينه مساعداً لوزير الخارجية لشؤون الشرق الاوسط، وحيث كان لافتاً حصوله على تأييد شامل من اعضاء الحزبين الجمهوري والديموقراطي في الكونغرس الاميركي.

وشينكر، الذي كان عمل سابقاً في مكتب وزير الدفاع كمدير لشؤون دول المشرق والمساعد الأعلى في سياسة البنتاغون الخاصة بالمنطقة، كان مسؤولاً عن تقديم المشورة الى وزير الدفاع وكبار الضباط في البنتاغون حول الشؤون السياسية والعسكرية لسوريا ولبنان والاردن والأراضي الفلسطينية.

أوساط ديبلوماسية معنية، أشارت الى انّ شينكر، الذي يتقن العربية والذي باشر التحضير لزيارته المقبلة الى المنطقة، يحمل تصوراً أولياً يهدف الى تسريع المفاوضات، خشية ظهور مستجدات غير متوقعة.

صحيح انّ شينكر سيعمل تحت سقف توجيهات كبار المسؤولين في وزارة الخارجية الاميركية وعلى رأسهم الوزير مايك بومبيو، الّا انّه سيعمل على طبع هذه المفاوضات بإسلوبه الخاص، انطلاقاً من خبرته الطويلة مع ملفات الشرق الاوسط، والتي تعلّم منها أنّها منطقة المفاجآت غير المحسوبة، أو المنطقة

الأكثر غموضاً في العالم.
وقيل انّ شينكر باشر في تقليب صفحات «خط هوف» الذي جرى تجاوزه لصالح خط جديد.

والمعروف انّ الكولونيل فريدريك هوف برز في العام 1983 عندما جرى تعيينه خبيراً في لجنة LONG للتحقيق في التفجير الذي طال قوات المارينز قرب مطار بيروت في تشرين الاول 1983.

وهو عمل كملحق عسكري في بيروت، ومن ثم رئيساً لدائرة الاردن ولبنان وسوريا وفلسطين في وزارة الدفاع، وهو الموقع الذي شغله لاحقاً شينكر.
وقال فيليب حبيب عن هوف في العام 1984 انّهما من المدرسة عينها، التي تعتبر انّ وجود حكومة مركزية قوية في بيروت مبنية على ترتيب ثابت وجدّي بين مختلف المكونات اللبنانية ومعها جيش فاعل ومتحرّك، هو الوضع الافضل لحماية مصالحنا عموماً وللعملية السلمية في الشرق الاوسط خصوصاً.

ومن ثم انتقل هوف عام 2009 الى وزارة الخارجية كعضو في فريق السيناتور جورج ميتشل للعمل على أفكار جديدة للعملية السلمية المتهالكة.

وفي العام 2012 عيّنه الرئيس السابق باراك أوباما مسؤولاً عن الفترة الانتقالية في سوريا، وفي الوقت نفسه طلب منه كخبير في مشاكل الحدود الناجمة عن اتفاق سايكس - بيكو، إيجاد الحلول للنزاع حول البلوك رقم 9 بين لبنان واسرائيل، مقترحاً تقسيمه الى ثلثين للبنان وثلث لاسرائيل.

وفي عام 2013 زار مساعد وزير الطاقة الاميركية آموس هوشتين بيروت مقترحاً ترسيم خط أزرق بحري موقت، على الّا يحصل استكشاف واستخراج من المنطقة المتنازع عليها قبل الاتفاق على الترسيم النهائي. لكن لبنان اشترط دوراً للامم المتحدة، ما ادّى الى تجميد الامور قبل إعادة تحريكها مع جولات ساترفيلد.

الخط البري يبلغ طوله زهاء 120 كلم، وتمّ ترسيمه من قِبل ​الامم المتحدة​ عام 2000 عقب الانسحاب الاسرائيلي. وخلال الاجتماعات الثلاثية عام 2007 اتفق لبنان واسرائيل على وضع علامات مرئية على الخط الازرق لإبراز 13 موقعاً خلافياً على الارض. وتؤثر كيفية ترسيم هذه النقاط الخلافية على الحدود البحرية وحصّة لبنان من البلوك رقم 9.

والمسألة هنا تتعلق بقانون البحار الذي يسمح لأي بلد ساحلي المطالبة بمنطقة اقتصادية حصرية بشرط أن يتفق على حدودها مع الدول المجاورة، واسرائيل لا تريد الاعتراف بحق لبنان في منطقته الحصرية.

وعندما أصدرت الحكومة اللبنانية في شباط الماضي رخصة للتنقيب لاتحاد كونسورتيوم برئاسة شركة توتال الفرنسية، تبين انّ الجزء الجنوبي من البقعة المعنية هي في وضع نزاع مع اسرائيل، فتجمّدت الامور، لأنّ اي استخراج سيحتاج الى مليارات الدولارات وسيستغرق عدة سنوات لتطويره، ما يعني انه بحاجة لاستقرار أمني ثابت. وخلال الاشهر الماضية حاولت اسرائيل استعراض عضلاتها البحرية، فأجرت تدريبات تحاكي مخاوف من حصول هجمات من قِبل «حزب الله» وحتى من حركة «حماس».

في المقابل كان «حزب الله» يلوّح بقدرته الصاروخية القادرة على إقفال معظم الشاطئ الاسرائيلي، وهي النقطة الأهم بالنسبة للشركات المهتمة بالاستخراج، حيث انّ كل حفرة في البحر تكلّف زهاء 100 مليون دولار وتستغرق زهاء ثلاثة اشهر، اضافة الى احتمالات الفشل، حيث فشلت شركة اكسون موبيل على سبيل المثال في العثور على كميات تجارية في بقعة في البحر القبرصي، لتنتقل سفينة التنقيب الى منطقة أخرى أبعد بقليل شمالاً، وترمي وراءها كامل الكلفة المادية.

ولكن، قبل وصول ساترفيلد برزت رسالة اسرائيلية أخرى، ولكن على لسان رئيس جهاز الاستخبارات العسكرية (امان) تمير هايمن، الذي قال في كلمة له في «مركز تراث الاستخبارات»، انّ لبنان بات يواجه ضغوطاً اميركية أكثر تأثيراً، بعد تولي مايك بومبيو منصب وزير الخارجية الاميركية. لكنه أعتبر انّ الصواريخ الموجودة لدى «حزب الله» ليست دقيقة، ومضيفاً بأنّ اسرائيل تعرف سعي إيران الى خلق نفوذ كبير لها في لبنان من خلال انتاج وتطوير الصواريخ داخل لبنان، مضيفاً: «ونحن نتابع ذلك»، ومشيراً الى «أننا لسنا بحاجة الى السيد نصرالله كي يقول لنا ما هو وضع هذا المشروع، فنحن نعرف ربما افضل منه في بعض الحالات». هي رسائل الضغط الاسرائيلية قبل المفاوضات.