الحرب التجارية التي بدأتها الولايات المتحدة ضدّ ​الصين​، مع تسلّم الرئيس ​دونالد ترامب​ السلطة في ​واشنطن​، ظاهرها مواجهة الخلل الكبير في الميزان التجاري بين البلدين لصالح الصين، لكن في جوهرها السعي الى الحدّ من التراجع المستمرّ في الاقتصاد الأميركي الذي يفقد الكثير من قدرته التنافسية في الأسواق الأميركية والعالمية على حدّ سواء في مواجهة السلع والمنتجات الصينية التي باتت تستحوذ على طلب المستهلكين بشكل ملموس في الأسواق، وهذا الأمر عكس الصعود المستمرّ لقوّة الصين الاقتصادية في مقابل تراجع مستمرّ في قوّة ​أميركا​ الاقتصادية، وتزامن وترافق ذلك مع تنامي قوّة الصين العسكرية والسياسية ودخولها في تحالفات دولية أضعفت الهيمنة الاستعمارية للولايات المتحدة، التي تشهد تراجعاً ملموساً متزامناً مع انحدار الامبراطورية الأميركية…

تعتقد إدارة ترامب أنها من خلال شنّ حرب تجارية ضدّ الصين سوف تتمكّن من منع استمرار التقدّم الاقتصادي والتكنولوجي والتقني والعلمي للصين والذي سيجعلها عام 2025 تحتلّ المرتبة الأولى اقتصادياً على حساب الولايات المتحدة التي ستصبح في المرتبة الثانية..

لكن هذه الحرب التجارية غير النزيهة التي تشنّها إدارة ترامب، إنما تعكس الطبيعة المتوحشة لل​سياسة​ الأميركية القائمة على استخدام القوّة ومنطق الهيمنة لإخضاع الدول، صديقة كانت أم عدوّة، ورفض احترام القواعد الاقتصادية الدولية، وهي تؤكد إفلاس أميركا وعجزها وعدم قدرة اقتصادها على البقاء متربّعاً على عرش ​الاقتصاد العالمي​..

بفعل العديد من العوامل البنيوية التي يعاني منها منذ عقود، التي تحدث عنها كتاب إفلاس أميركا عام 1995..

الانهيار القادم لأميركا، للكاتبين هاري فيجي وجيرالد سوانسون، اللذين حذرا من خطورة استمرار أميركا في سياسة الاقتراض لمواجهة العجز في الميزانية، وقالا: «عادة ما تفقد الدولة العاجزة عن تسديد ديونها احترام الدول الأخرى وتقديرها، وستمرّ الولايات المتحدة بهذه المرحلة حتماً، وحينها لن نخسر قوّتنا المالية والاقتصادية وحسب، بل سنخسر أيضاً المركز القيادي والاحترام الدولي الذي نتمتع به»..

ومن ثم تطرّق إلى هذه الأزمة البنيوية كتاب «ما بعد الإمبراطورية..

دراسة في تفكك النظام الأميركي» للكاتب إيمانويل تود.. الذي أشار إلى أنّ الولايات المتحدة «أخذت تتحوّل شيئاً فشيئاً إلى عامل فوضى في النظام الدولي عن طريق إثارة الشكوك والنزاعات حيثما تستطيع..

وانّ أكثر ما يبعث على القلق في الحالة الراهنة، هو غياب نموذج تفسيري مقنع للسلوك الأميركي.. لماذا لم تعد هذه الدولة العظمى الوحدانية متسامحة وعقلانية طبقاً للتقليد الذي تأسّس عقب الحرب العالمية الثانية؟ هل أنها بالغت بالقوّة؟ أو لأنها، على العكس من ذلك، تشعر بأنّ العالم يخرج عن سيطرتها؟ هذا الكتاب الهامّ صدر باللغة العربية عام 2003 ومنذ ذلك الوقت جرت أحداث وتطوّرات ومتغيّرات كثيرة وهامة عزّزت الاتجاه نحو خروج العالم عن السيطرة والهيمنة الأحادية الأميركية..

أهمّها هزيمة أميركا في العراق وفشل أهداف حربها وتكبّدها خسائر جسيمة مادياً وبشرياً، وهذه الهزيمة أطاحت بالحلم الأميركي في السيطرة والتحكم بنفط العراق ومخزوناته الهامة، ومن ثم أخفق المشروع الأميركي في عزل إيران وإسقاط سورية، وصولاً إلى الفشل في التحكم بإمدادات الطاقة في الشرق الأوسط وبالتالي الإخفاق في جعل واردات الصين من النفط تقع تحت رحمة الولايات المتحدة وابتزازها..

بعد هذا الفشل قرّرت إدارة الرئيس الأميركي ترامب، استبدال الحروب العسكرية بالحروب الاقتصادية والتجارية لفرض هيمنتها ومحاولة الحدّ من تراجع اقتصادها وتدهور مكانتها العالمية، وفي هذا السياق لجأ ترامب إلى الانقلاب على العولمة وسياسة الحدود المفتوحة، والعودة، بدلاً منها، إلى سياسة الحمائية عبر فرض الرسوم على بعض السلع والمواد الأجنبية التي تنافس مثيلاتها الأميركية، ولم يستثن من ذلك حتى الدول الحليفة للولايات المتحدة، مثل الاتحاد الأوروبي و​تركيا​ وكندا..

غير أنّ حربه التجارية الأكبر تركزت على الصين التي تشكل أكبر تحدّ للاقتصاد الأميركي، لا سيما أنّ الميزان التجاري بين البلدين مختلّ بنسبة كبيرة لمصلحة الصين، التي تجاوزت أميركا من ناحية التجارة العالمية، وتخطتها على مستويات علمية هامة، على صعيد صناعة أكبر حاسوب في العالم الذي يشكل أساس الأبحاث والتقدّم التقني، وكذلك على مستوى التقدّم في الذكاء الصناعي..

فيما حصة أميركا من الناتج العالمي في تراجع متواصل، تتقدّم الصين على هذا الصعيد حيث باتت المنتجات الصينية تحتلّ الصدارة في الأسواق العالمية، لا سيما في أسواق آسيا وأفريقيا على حساب المنتجات الأميركية، بل أنّ الكثير من الدول أصبحت تفضّل العلاقة الاقتصادية مع الصين على العلاقة الاقتصادية مع أميركا، لأنّ الصين، على عكس أميركا، تساعد هذه الدول على تحقيق التنمية وتحترم سيادتها واستقلالها ولا تتدخل في شؤونها الداخلية، وهي، أيّ الصين، لا تتوانى عن تقديم الدعم والمساندة للدول التي تواجه الهيمنة الأميركية وتتعرّض للحروب الإرهابية والاقتصادية الأميركية الهادفة إلى إخضاعها، مثل سورية وإيران وفنزويلا إلخ…

صحيح أنّ الحرب التجارية التي تشنّها أميركا ضدّ الصين ستكون لها آثار سلبية على الصين، لكن الصحيح أيضاً أنّ أميركا سوف تعاني من النتائج السلبية لهذه الحرب، لأنّ الصين تملك قدرات كبيرة وهي تردّ بالمثل على الإجراءات الأميركية برفع الرسوم على سلع أميركية حيوية زراعية أو تكنولوجية، وهي ردّت على الإجراءات الأميركية ضدّ شركة «هواوي» الصينية العملاقة، التي ألغت جميع الاجتماعات المقرّرة مع الأميركيين لمناقشة قضايا التكنولوجيا، واتخذت إجراءات ضدّ شركة «أبل» الأميركية التي تشكل السوق الصينية 20 بالمئة من أرباحها، وأقدمت «هواوي» على الطلب من موظفيها الأميركيين العاملين في مقرّها في الصين العودة إلى بلادهم..

كما أنّ الصين امتنعت أخيراً عن الاكتتاب بسندات الدين الأميركية، حيث تعتبر الصين أكبر مكتتب فيها، وقد بلغت استثماراتها في هذه السندات حتى 2016 نحو 1.120 تريليون دولار ما يشكل 17.7 بالمئة من قيمة سندات الدين الأميركية التي تملكها حكومات أجنبية، حيث يناهز الدين الأميركي الخارجي 22 تريليون دولار ما يجعل أميركا تحتلّ المرتبة الأولى عالمياً بين الدول المرتهنة للدين الخارجي، وقد بدأت الصين تدريجياً بيع جزء من سندات دينها في سياق الردّ على ​السياسة​ الأميركية العدائية ضدّها..

وإذا ما زادت الصين من بيع سنداتها فمن المتوقع أن يؤدّي ذلك إلى هزة في الأسواق العالمية إذ انّ الارتفاع الكبير في معروض هذه سندات، سيضعف من قيمتها إلى حدّ كبير، حسب «بي بي سي موندو»، وهذا سيجعل اقتراض المال باهظاً للشركات الأميركية وللمستهلكين ما يؤدّي إلى أن يشهد الاقتصاد الأميركي تباطؤاً شديداً، فكيف إذا ما قرّرت الصين سحب استثماراتها من أميركا؟ يؤشر ذلك إلى أنّ الحرب التجارية ستكون انعكاساتها سلبية على البلدين، وكذلك على الاقتصاد العالمي، لكن الانعكاسات على الاقتصاد الأميركي ستكون أكبر لأنه يقلّ عن معدل نمو الاقتصاد الصيني بنسبة تعادل 50 في المئة، لذلك الصين الذي يبلغ معدل نمو اقتصادها حالياً 6.7 بالمئة قادرة أكثر على تحمّل أيّ خسائر واستيعابها، فهي من ناحية تملك القدرة على تنشيط حركة الاقتصاد في سوقها الكبيرة عبر ضخ كميات من المال، من احتياطها الضخم البالغ 3 تريليون دولار، ومن ناحية ثانية تملك فرص التوسع في اقتصادها على مستوى العالم، من خلال إحياء مشروع الحزام الطريق، أيّ طريق الحرير، والذي يشقّ طريقه بشكل مستمرّ، وهو ما أزعج أميركا وأقلقها..

ولهذا يقول الخبير الاقتصادي الأميركي المعروف والحائز على ​جائزة نوبل​، جوزيف ستيغليتز «إنّ الصين تمتلك أدوات وموارد تساعدها في امتصاص أثر أيّ حرب تجارية، فبكين تجلس على ثلاثة تريليونات دولار من الاحتياط النقدي»…

إضافة إلى ذلك تملك الصين ورقة ضغط قوية في مواجهة أوراق الضغط الأميركية وهي استحواذها على أكبر احتياطي عالمي من المعادن الثمينة و70 بالمئة من إنتاجها في العالم، وهذه المعادن تستخدم في الصناعات المتطوّرة والاستراتيجية، الأسلحة والدفاع، لوائح الطاقة الشمسية، رقائق الهواتف المحمولة، شرائح الكمبيوتر، توربينات توفير الطاقة من الرياح، تصنيع لوحات الكريستال السائل، شاشات الكمبيوتر والتلفزيون وأقراص الكمبيوتر الصلبة، وبطاريات السيارات الهجينة…

ومن ضمن ردود الصين على الحرب التجارية الأميركية، كان أن حظرت تصدير هذه المعادن الثمينة إلى الولايات المتحدة، التي تحتفظ منها بنسبة احتياط تمكنها من الاستمرار في منتجاتها العسكرية والمدنية المتطورة إلى حين.. وفي الوقت نفسه فإنّ أميركا تواجه شحاً في توفير العدد الكافي من المصانع لتنقية الشوائب، وهي عملية تستغرق وقتاً طويلاً كما يقول الخبراء، نظراً لطبيعة هذه المعادن وندرتها، قبل وبعد تنقيتها، كما أنّ تقنية التنقية المتوافرة لديها أقدم من مثيلتها الصينية..

لكن الصين في المقابل، وبسبب ارتباط صناعاتها في بعض المجالات التكنولوجية بالمدخلات الأميركية، وبسب الهيمنة الاقتصادية الأميركية على النظام المالي العالمي فإنّ أميركا قادرة على إلحاق الأذى بالاقتصاد الصيني عبر ممارسة الضغوط على الدول والشركات العالمية لمنع تعاملها مع الصين، كما حصل في موضوع وقف التعامل مع شركة «هواوي»..

من هنا فإنّ أميركا قادرة أيضاً على إلحاق أذى كبير بالاقتصاد الصيني.. وهذا يعني أنّ الحرب التجارية إنما هي عبارة عن معركة عضّ أصابع، من يصمد فيها أكثر من الآخر يستطيع أن يحسّن شروطه في التسوية لإنهاء هذه الحرب، وقد يكون امتلاك الصين لسلاح المعادن الثمينة التأثير المهمّ في تعزيز موقفها في مواجهة حرب ترامب التجارية وبالتالي دفعه للذهاب الى المفاوضات للتوصل إلى تسوية تنهي هذه الحرب بما يرضي الطرفين، وبالتالي تخلي ترامب عن مراهناته على إخضاع الصين وفرض الشروط عليها…

إنّ من يعتقد أنّ أميركا تستطيع إضعاف الصين وإخضاعها ووقف صعودها إلى القمة إنما هو واهم، فأميركا أعجز من أن توقف تقدّم الصين واتجاه العالم نحو التعدّدية على المســـتويات كــافة… خصوصاً أنّ مركز الثقل في الاقتصاد العالمي ينتقل من الغرب إلى الشرق.. والأسواق الواعدة، استثـــماراً واستهلاكاً، تقع في الشـــرق الصاعد اقتصادياً، ويملك العدد الأكبر من السكان، ويحوز على ثروات هائـــلة، ولهذا تتسابق الشركات العالمية على الاستثمار في الصين و​الهند​ وروسيا، وغيرها من الدول الصاعدة اقتصادياً، وتسجّل أعلى معـــدّلات نمـــو في العــالم، فيما الغرب يئنّ من الأزمات المالية والاقتصادية والاجتماعية نتيجة التباطؤ في معدلات النمو…
في الخلاصة فإنّ الحرب التجارية تلحق الضرر بالاقتصادين الأميركي والصيني، وفي نهاية المطاف، للطرفين مصلحة في إيجاد تسوية للحدّ من سلبيات هذه الحرب، التي بدأها ترامب