كما كان متوقّعاً، نجح "قطبا" ​التسوية الرئاسية​، رئيسا الجمهورية ​ميشال عون​ والحكومة ​سعد الحريري​، في ترميم تفاهمهما بعد القطوع الذي مرّ به في الآونة الأخيرة، وهو ما كرّسه لقاء "غسيل القلوب" الذي جمعهما في قصر بعبدا، بانتظار آخر يجمع الحريري ووزير الخارجية ​جبران باسيل​ بعيد عودته من الخارج.
وإذا كان تفعيل العمل الحكوميّ سيكون النتيجة الطبيعية والبديهية لعودة العلاقات على خط بعبدا-بيت الوسط، مع الحديث عن جلستين ستُعقدان لمجلس الوزراء لهذه الغاية الأسبوع المقبل، فإنّ الخشية بدأت ترتسم من "ألغام" جديدة قد تعيد تفجير العلاقات بين القوى السياسية، خصوصاً إذا ما طُرحت ​التعيينات​ على الطاولة كما يرجّح كثيرون.
ولعلّ ما قاله رئيس حزب "القوات ال​لبنان​ية" ​سمير جعجع​ قبل أيام، حول أنّ مقولة "ما للمسيحيين هو للمسيحيين" لا تعني أن "ما للمسيحيين هو لباسيل"، يختصر الموقف المرتقب في مجلس الوزراء، منذراً بخلاف مسيحي-مسيحي جديد في الأفق الحكوميّ...

"مرقلي تمرّقلك"؟!


لم يعد خافياً على أحد أنّ الاستحقاق المقبل الذي يفترض أن تواجهه الحكومة يتمثّل في التعيينات التي بات واجباً أن تُطرَح على الطاولة عاجلاً أم آجلاً، خصوصاً أنّ "ترف الانتظار" لم يعد خياراً في التعامل مع "الشواغر" المطلوب ملؤها، والتي تتضمّن نحو 43 وظيفة من الفئة الأولى بحسب ما يتمّ تداوله منذ فترة.
وإذا كان كثيرون يعتقدون أنّ هذه التعيينات يمكن أن تمرّ بيسر وسهولة في الوظائف الخاصة للمسلمين والدروز، وإن طالب البعض بحصة لقوى "8 آذار" سنياً ودرزياً، على غرار تلك التي حظيت بها في الحكومة، فإنّ "التعقيد الأكبر" يكمن مرّة أخرى في الساحة المسيحيّة، التي بدأت تعدّ العدّة لمواجهةٍ قد تكون مفصليّة.
ويقف الوزير جبران باسيل مرّة أخرى أيضاً وحيداً في مواجهة جميع القوى المسيحية الأخرى، التي حوّل التفاهم السابق مع بعضها إلى "خصومة" تفوق أيّ خصومةٍ أخرى، وفي مقدّمها حزب "القوات اللبنانية" و"​تيار المردة​"، وحتى حزب "الكتائب"، ولو كان الأخير غير ممثَّلٍ في الحكومة. ويختصر كلام جعجع عن أنّ "ما للمسيحيين ليس لباسيل" الخشية الموجودة لدى هذه القوى من مخطط لعزلها في التعيينات، واعتبارها وكأنّها غير موجودة، في حين أن الانتخابات النيابية الأخيرة أثبتت حضورها الوازن.
وإذا كانت "القوات اللبنانية" اقتنعت بشكلٍ أو بآخر أنّ "اتفاق معراب" بات من الماضي، وأنّ العودة إلى نصوصه الواضحة في مقاربة التعيينات وغيرها لم تعد مجدية في التعامل مع باسيل، فإنّها ترفض في المقابل التسريبات التي تتحدّث عن حصر التعيينات بالتفاهم بين الحريري وباسيل، وفق قاعدة "مرقلي تمرقلك"، أو أن تكون حصّتها موازية مثلاً لحصّة المعارضة السنية، وهو ما يخالف الواقع والمنطق السياسيّيْن بطبيعة الحال.

هل يقبل الحريري؟


انطلاقاً ممّا سبق، تصرّ "القوات"، ومعها "تيار المردة" وغيره، على أنّها مستعدّة لخوض معركة التعيينات حتى النَّفَس الأخير، منعاً لتكريس قاعدة "الاستئثار" التي يبدو أنّ الوزير باسيل ذاهبٌ فيها هو الآخر حتى النهاية، انطلاقاً من اعتباره أنّ رؤيته في ظلّ "العهد القوي" لا يمكن أن تتحقّق إذا ما استمرّت فوضى الازدواجية، إن جاز التعبير، كما كانت في ظلّ العهود السابقة، والتي لا يزال لبنان يدفع ثمنها حتى اليوم.
وإذا كانت هذه القوى بدأت ترفع الصوت سلفاً، مستبقةً بذلك المعركة المُنتظَرة، خوفاً من "غدر" يمكن أن يحصل في أيّ لحظة، فإنّ بينها من يطرح علامات استفهام حول موقف رئيس الحكومة في هذه الحال، وما إذا كان سيؤازرها، أم سيقف إلى جانب باسيل، سواء من باب الخشية على حصّته، التي حاول باسيل اللعب على وترها، بحديثه المتكرّر عن وجوبتغيير المدير العام لقوى الأمن الداخلي مثلاً، أو من باب الحرص على التسوية الرئاسية، التي قال إنّ البديل عنها لن يكون سوى المجهول.
برأي هذه القوى، لا يحقّ لرئيس الحكومة، ولأيّ من هذه الاعتبارات، القبول باستئثار باسيل بالحصّة المسيحية الصافية في التعيينات، من دون اعتبار الوزن الشعبي الحقيقي للقوى الأخرى، والذي يوازي وزن "التيار" بل يفوقه في مكانٍ ما، علماً أنّ موقف الحريري يجب أن يكون مغايراً، خصوصاً بعدما بدأ يشكو بنفسه من حجم التدخلات السياسية في القضاء، وفي ضوء الانتقادات التي وجّهها على خلفية الأحكام التي صدرت في ملف تركيب تهمة "العمالة" للممثل المسرحي زياد عيتاني، والتي طاولت أسهمها "التيار" بشكلٍ واضح.
وإذا كان ثمّة من يقول إنّ الحريري بات مدركاً لمحاذير طرح التعيينات من دون توافق مسبق بين مختلف القوى الممثلة في مجلس الوزراء، وأنه بدأ لهذه الغايات اتصالات تحت وخلف الأضواء، خصوصاً مع "القوات اللبنانية" التي استقبل قبل يومين وزيرها السابق ملحم الرياشي موفداً من رئيسها، فإنّ المطلوب بحسب هذه القوى ليس سوى الذهاب إلى آلية واضحة وشفّافة تتمّ التعيينات على أساسها، بحيث يحلّ الشخص المناسب في المكان المناسب، بعيداً عن المحسوبيّات وسواها، علماً أنّ هذه الآلية سبق أن جُرّبت من دون أن تفضي إلى نتائج، كما حصل في ملف رئيس مجلس إدارة تلفزيون لبنان، الذي لا يزال عالقاً منذ أيام الحكومة السابقة.

إلى الرئاسة دُر...


يربط البعض كلّ الخلافات التي تحصل، خصوصاً على المستوى المسيحيّ، بالسباق المُعَلن بين قادة الأحزاب المسيحية المؤثرة والفاعلة على رئاسة الجمهورية. ولا تشذّ التعيينات عن هذا السباق، خصوصاً أنّ باسيل المُتّهَم أصلاً بأنّه يمارس عملياً دور "رئيس الظلّ"، يلعب كلّ أوراقه للتحكّم بكلّ مفاصل الدولة وهيكلياتها، في حين أنّ خصومه يسعون لمنعه من تحقيق مُراده.
ومع أنّ الانتخابات الرئاسية سابقة لأوانها، إلا أنّ كلّ التقديرات تشير إلى أنّ الخلافات المسيحية مستمرّة ولن تتوقّف حتى نضوج المعركة الرئاسية، التي قد تقلب ظروفها كلّ الأوراق أصلاً، وتحوّل خصوماً من هنا أو هناك إلى حلفاء، بل ربما تُسقِط كلّ أوراق المرشحين المفترضين لصالح آخرين...