لا يكاد يمر يوم الا ونقرأ تغريدة من هنا واخرى من هناك عن رئيس ​الحزب التقدمي الاشتراكي​ ​وليد جنبلاط​، وهو امر عادي نظراً الى سعة اطلاع هذه الشخصية وافكاره الثقافية التي تتخطى الحدود اللبنانيّة الى العالم. ولكن، فيما كان يوصف جنبلاط بأنه يملك بوصلة سياسيّة فريدة من نوعها ولا يمكن لسواه ان يقرأها ويستفيد منها، يبدو اليوم وكأنه اضاع هذه البوصلة واخذ يضرب يميناً ويساراً المسؤولين اللبنانيين. لا يختلف اثنان على أنّ جنبلاط يشعر بالتهديد السياسي الذي رأى ان التسوية الرئاسيّة التي حصلت، اضافة الى التسويات السياسية التي تحصل والتوافق القائم بين رئيس الحكومة ​سعد الحريري​ ووزير الخارجية ​جبران باسيل​، وكلها امور افقدته عناصر من قوته السياسية التي كانت لسنوات طويلة فاعلة واساسية في التوازن السياسي في لبنان.
بالامس، هاجم جنبلاط قوى الامن الداخلي بشخص مديرها العام واحد الضباط فيها، ثم ما لبث ان اعتذر بعد ان انتشرت تغريدته، وهو غرّد ايضاً مستهدفاً العهد وباسيل و​التسوية الرئاسية​ بكلام اقل حدة ولكنه اكثر ايحاء بالفساد والكوارث. ولكن اللافت في التغريدة الثانية انها اتت بعد نحو 24 ساعة فقط على ايفاده الى قصر بعبدا وزيرين هما ​وائل ابو فاعور​ و​اكرم شهيب​ حاملين رسالة منه الى رئيس الجمهورية العماد ​ميشال عون​، قيل انها لوضعه في اجواء الاتصالات التي تحصل بالملف المتصل بجريمة الشويفات وتداعياتها، اضافة الى "التطورات السياسيّة الاخيرة ومواضيع عامة".
هذا الهجوم الثاني كان غير مفهوم، الا اذا كانت الرسالة التي حملها الوزيران لاقت مصيراً مشابهاً للرسالة التي حملها معه رئيس الوزراء الياباني شينزو آبي الى طهران. واستبعدت مصادر متابعة ان يكون هذا التشبيه صحيحاً لان جنبلاط يدرك جيداً انه لا يمكنه معاداة الجميع في الوقت نفسه، وهو اليوم يشعر وكأنه محاصر ولا يفيده بالتالي قطع الخطوط، بل عليه البحث عن سبل انشاء خطوط تواصل جديدة او تعزيز تلك الموجودة.
اضافة الى ذلك، فإن المصادر نفسها استنتجت ان الوزيرين خرجا من بعبدا بصورة عادية ولم يبد التجهّم عليهما، كما انهما لم يعمدا الى تسريب اجواء سلبيّة عن الزيارة او ما شابه ذلك، بما يمكن ان يبرر الهجوم الذي شنّه جنبلاط على العهد وصهر الرئيس والتسوية الرئاسية، ولو كان اللقاء سلبياً بالفعل، لما تأخر اي منهما في الانضمام الى "حملة جنبلاطية" تصيب الرئيس ميشال عون بسهامها. لذلك، ترى المصادر ان ما كتبه جنبلاط ناجم عن شعوره بـ"هجمة" تستهدفه، وعن "اتفاق" على انتزاع بعض المراكز المحسوبة عليه في الدفعة المرتقبة من التعيينات والتي لن يطول وقت الاعلان عنها، وليس من المستبعد ان يزور، كما درجت العادة رئيس مجلس النواب ​نبيه بري​ صديقه، للاستماع منه الى طرق تكفل كسر الطوق عنه، واعادته الى المعادلة السياسية وفق الدور الذي يؤمّن اعطاءه القدر الكافي من الاطمئنان، دون الشعور بالتهديد.
قد يكون جنبلاط قد اضاع البوصلة السياسية، لكنه يرغب في الابقاء على حيثيته وإرثه لنجله تيمور الذي وصل الى الندوة البرلمانية كبديل عن والده الذي لم يكن يرغب في متابعة نشاطه النيابي، ولعل التراجع عن اقواله سيكون بعد انجاز التعيينات اولاً و"مراعاة" وضع جنبلاط في الجبل خصوصا، وثانياً الابقاء على خطوط العلاقات التي نسجها مع الحريري الابن وبعض الفرقاء الآخرين على حالها، اي دون انقطاع بما يضمن ابقاءه على الطاولة في اي لعبة سياسية يشهدها لبنان ويكون عنوانها الميثاقية والتوافقية، وهذا الامر سيكون على همّة بري ومساعيه التي غالباً ما تتكلل بالنجاح في هذا السياق.