مع أنّ "التضامن الحكومي" كان عنوان جلسة ​مجلس الوزراء​ الأولى بعد لقاء الساعات الخمس الذي جمع رئيس الحكومة ​سعد الحريري​ ورئيس "​التيار الوطني الحر​" وزير الخارجية ​جبران باسيل​، والذي لعب دوراً جوهرياً في ترميم التسوية بينهما وطيّ صفحة اهتزازها، فإنّ أحداً لا يستطيع الحديث عن "تضامن" حقيقيّ تحت سقف الحكومة.
فعلى هامش جلسة الحكومة، كان "الامتعاض" من تفاهم الحريري وباسيل يتبلور أكثر وأكثر من جانب العديد من شركائهما المفترضين في الحكومة، وتحديداً رئيس "​الحزب التقدمي الاشتراكي​" ​وليد جنبلاط​ الذي ذهب إلى حدّ الحديث عن "صفقة قرن" بعنوان "تسوية الذل والاستسلام"، ورئيس حزب "القوات اللبنانية" ​سمير جعجع​ الذي ناشد رئيس الجمهورية ​ميشال عون​ التدخل من أجل "لَجم الأوضاع".
إزاء ذلك، تُطرَح علامات استفهام عن "تموضع" كلٍ من جعجع وجنبلاط، اللذين يشكوان "تغييبهما" عن القرار الحكوميّ، لكنّهما يؤمّنان في الوقت نفسه "الغطاء" لخصومهما، فهل حان الوقت ليتخليا عن "جنّة الحكم"، أم أنّ امتيازات الأخيرة تتفوّق على أيّ معارضة قد يقودانها، مهما علا شأنها؟!.

"تضحيات" بلا طعم؟!


يذكر اللبنانيون جيّداً المعارك التي خاضها كلّ من جنبلاط وجعجع في مرحلة تأليف الحكومة، في سبيل الدخول إلى "جنّة الحكم"، والقضاء على ما اعتبراها محاولات لإحراجهما وإخراجهما، وبالتالي عزلهما بشكلٍ أو بآخر. ويذكرون أكثر "التضحيات" وحتى ما اعتُبِرت "تنازلات" قدّمهما كلّ منهما لتحقيق هذه الغاية، وبينها على سبيل المثال لا الحصر قبول جنبلاط مُكرَهاً بتمثيل خصومه في الساحة الدرزية، وخفض جعجع سقف مطالبه إلى الحدّ الأدنى، بخلاف كلّ الشروط التي كان يطرحها.
لكنّ من يتابع تصريحات جنبلاط وجعجع في هذه المرحلة يتساءل عن "جدوى" كلّ هذه "التضحيات والتنازلات" إذا كان الأمر سينتهي بهما معارضَيْن من الداخل، عاجزيْن عملياً عن تحقيق أيّ تغيير يمكن أن يُبنى عليه. ولعلّ الكلام القاسي الذي صدر عن جنبلاط بحق التسوية الرئاسية، وصولاً إلى حدّ تشبيهها بـ "صفقة القرن" الأميركية، ولو من باب دخول "الصهر" على خطّها، خير دليلٍ على "امتعاض" الرجل، الذي بات واضحاً أنّه خسر الكثير من امتيازات المرحلة الماضية، التي لعب فيها دور "بيضة القبان"، فإذا به اليوم يكتفي بالتصويب اليوميّ على باسيل والحريري، ولو افتراضياً، بتغريدةٍ من هنا أو هناك، قبل أن "يعتذر" تارةً، أو يفعّل "وساطاته" تارةً أخرى في محاولةٍ لرأب الصدع، لإدراكه أنّ لا قدرة له على ترجمة أقواله إلى أفعال.
ولا يبدو واقع جعجع أفضل حالاً بكثير، ولو "تباهى" مراراً وتكراراً بأنّه من أسهم في جعل "التسوية الرئاسية" تبصر النور، بل اعتبر نفسه في مرحلةٍ من المراحل "عرّاب العهد"، واعتقد أنّه سيقاسم "التيار الوطني الحر" كلّ المغانم والمكاسب التي سيجنيها بعد وصول العماد ميشال عون إلى رئاسة الجمهورية. وتبدو في هذا السياق، المواقف التي يخرج بها "الحكيم" بين الفينة والأخرى أكثر من "فاقعة"، فهو يشكو "غدراً" يوحي بأنّه تعرّض له، محمّلاً باسيل المسؤولية الكاملة عنه، ولكنّه في الوقت نفسه، يتمسّك بعلاقته الجيّدة مع عون والحريري، ويطالبهما بالتدخّل، على رغم إدراكه أنّهما متفقان ضمنياً على كلّ شيء تقريباً، وتحديداً على "تحصين" باسيل وحمايته.

ثنائية حاكمة؟!


كثيرة هي الأمور التي يتفق "القواتيون" و"الاشتراكيون" في مقاربتها اليوم، بعدما وضعتهم الظروف جنباً إلى جنب، في مواجهة ما يعتبرونها "ثنائية حاكمة" تريد الاستيلاء على الحكم، والتحكّم بكلّ مفاصله وهيكليّاته، وبعدما وجدوا نفسهم عاجزين حتى عن ممارسة سياسة "المعارضة من الداخل" التي نجح خصمهم "التيار الوطني الحر" مثلاً في انتهاجها في العديد من حكومات العهد السابق.
وإذا كان الجانبان يعتبران أنّ مواجهتهما المفصليّة والأساسيّة هي مع وزير الخارجية الذي يرسي نهجاً جديداً في الحكم، فإنّهما لا يبرّئان حليفهما رئيس الحكومة من المسؤولية، هو الذي تمسّك بوجودهما في حكومته، لكنّه لم يقدّم لهما ما يمكن أن يحصّنا نفسيهما من خلاله، بل بدا كمن أرادهما "غطاءً شرعياً" له، خصوصاً في السياسة، وتخلى عنهما في الجوهر، وما تمسّكُه المُبالَغ به بالتسوية، على رغم الخروج عن الكثير من أسُسها المفترضة، سوى "جرس إنذار" على هذا الصعيد.
ولا يختلف اثنان على أنّ التعيينات الإدارية والقضائية والأمنية المرتقبة شكّلت سبباً مباشراً في رفع صوت كلّ من "البيك" و"الحكيم" في هذه المرحلة، إذ يتقاسمان "الخشية" نفسهما من وجود نيّة لدى "الثنائية الحاكمة" من الاستئثار بهذه التعيينات، في ضوء كلّ ما يُحكى عن تفاهم ضمني على تقاسمها بينهما وفق قاعدة "مرقليتمرّقلك"، علماً أنّ الكواليس السياسية تضجّ بالمعلومات، وإن كانت لا تزال في خانة الإشاعات، عن نيّة باسيل الحصول على الحصّة المسيحية الصافية في التعيينات، مقابل تمسّكه بتمثيل حلفائه الدروز، على حساب جنبلاط.
وإذا كان كلّ ما سبق يفترض أن يفضي منطقياً إلى خروج "القوات" و"الاشتراكي" طوعاً من "جنّة الحكم"، فإنّ كلّ المؤشرات تؤكد أنّ الفكرة لا تزال مرفوضة لدى الطرفين، لاعتباراتٍ وحساباتٍ لم تعد تقنع أحداً غيرهم على ما يبدو، من بينها أنّهم يرفضون "إخلاء الساحة" لخصومهم، ويريدون "المواجهة" من الداخل، في وقتٍ لا يتوقّفون عن الشكوى من أنّهم باتوا أشبه بـ "شهود زور" على ما لا يتردّدون في وصفها بـ "الصفقات"، إلا إذا كان المطلوب أن يحصلوا على "حصّتهم"، وينتهي الأمر عند هذا الحدّ...

"مغانم السلطة"!

في مرحلة المفاوضات الحكوميّة، طُرحت فكرة حكومة "اللون الواحد" أكثر من مرّة، لكنّ رئيس الحكومة كان لها بالمرصاد، مدعوماً بجنبلاط وجعجع، اللذين رفضا الخضوع والخروج، فكانت حكومة "الشراكة" التي تشبه كلّ شيء إلا "الشراكة".
اليوم، لا يكاد يمرّ يوم من دون تصريحٍ لجنبلاط وجعجع يشكوان فيه "الانقلاب الحاصل" بنتيجة التسوية، التي باتت كلّ الملفات بموجبها تُطرَح في جلساتٍ ثنائيّة، بدل أن تُناقَش على طاولة مجلس الوزراء، ما يوحي وكأنّ مبدأ "اللون الواحد" هو المُطبَّق.
خلف هذه السطور، نتيجة منطقية واحدة يمكن استخلاصها، وهي أنّ "الاشتراكي" و"القوات" يستطيعان، لو أرادا، الالتحاق بـ "الكتائب" والمستقلّين، وبالتالي قيادة معارضةٍ قوية حقيقية يحنّ إليها اللبنانيون، لكنّهما يرفضان ذلك، ربما خوفاً من خسارة "مغانم السلطة"، ولو تطلّب الحصول عليها "مقاومة" من العيار الثقيل...