هناك مثل تاريخي يصلح لكل زمان ومكان وينطبق في السياسة كما ينطبق في غير السياسة، ويقول المثل: "وهل يُصلِح العطَّار ما أفسد الدهر"؟
العطَّار ، في ايامنا هذه ، هو اختصاصي المساحيق الذي ببراعته يحاول أن يُخفي بالمساحيق نتوءاتٍ وعيوباً تسبَّب بها الدهر أي الأيام والسنوات.
حال ​الموازنة​ شبيه بحال "العطَّار والدهر":
"الدهر" هنا هو تركيبة حكم منذ أكثر من ربع قرن، كانت لها خططُها ومشاريعُها، وهذه المشاريع والخطط "تُكلِّف"، والكلفة كانت إما من قروض وإما من ضرائب: فلا غاز ولا نفط ولا مناجم ذهب بل "باريس 1 وباريس 2 وباريس 3" إلى ان وصلنا إلى "باريس 4" الذي هو "سيدر".
كان الصرف من دون شفقة، ما ينقص من أموال باريس يُعوَّض بسندات خزينة بفوائد تاريخية وصلت إلى 40 في المئة، لكن مَن سيدفع في نهاية المطاف؟ وهل هناك غير جيب المواطن لتمتد اليد إليه للدفع؟
***
كانت القروض تأتي ليس من أجل مشاريع استثمارية منتجة بل من أجل "صرفيات هالكة"، وما كان منتجاً منها كان يُلزَّم بعشرات أضعاف قيمته الحقيقية.
من دون ان نغفل طبعًا الإدارة السيئة لقطاع الكهرباء من خلال الوزراء المتعاقبين، الى ان وصل العجز في الكهرباء إلى ثلاثين مليار دولار.
ومما زاد الطين بلة الاخطاءُ الحسابية الجسيمة في إعطاء سلسلة الرتب والرواتب من دون توفير إيراداتها، وتوظيف ما لا يقل عن عشرة آلاف شخص من خارج القوانين المرعية الإجراء فوصلنا إلى النتيجة التالية:
مئة مليار دولار دينا
الإستدانة ليست لسداد الدين بل لسداد فوائد الدين
عجز عن إصلاح الإدارة العامة
عجز عن خفض حجم القطاع العام
عجز عن المسّ "بمغاور الفساد والهدر".
***
وتأسيسًا على ما تقدَّم، ماذا بيد الحكومة ان تفعل؟ وأي مساحيق ستستعمل لإصلاح ما افسده دهر من تعاقبوا على ادارة البلاد والعباد حتى ايامنا هذه؟
لنقلها بكل صراحة ووضوح، فإن المعالجة تتم على القاعدة التالية:
"أصرف ما في الجيب يأتيك ما في الغيب"
لكن المشكلة مضاعفة:
لم يعد في الجيب شيء
وليس مؤكدًا أن يأتي شيء من الغيب.
***
قلناها أكثر من مرة ونكررها: المطلوب خطوات استثنائية بسبب الأوضاع الإستثنائية:
صارحوا الناس بوضع الخزينة وما فيها من أموال.
أخبروهم انكم تدفعون لهم من اموال القروض التي ستسددونها بفوائد عالية سيدفعها مَن يأخذ الراتب اليوم من اموال القروض.
قولوا لهم إنكم تدورون في حلقة مفرغة.
تصوَّروا هذا السيناريو:
ماذا لو قررت دول "سيدر" عدم الإيفاء بالتزاماتها وعدم الدفع، فماذا ستفعلون؟ أنتم من تعاقبتم على ادارة البلاد والعباد؟
مَن يملك الجواب؟
ومَن يجرؤ على الإجابة؟.