كانت كل المؤشرات الأميركية توحي بأن ​إيران​ سترضخ أمام واشنطن. لم تكن في نيّة البيت الأبيض شن حرب على طهران، رغم تحريكه اسطول بحري مدفوع التكاليف المالية الباهظة. كان ولا يزال الهدف الأميركي فرض الضعف الإيراني في الإقليم، بشكل يسهل فيه على الأميركيين فرض الشروط على الإيرانيين، مع بقاء ​الجمهورية​ الإسلامية عنصر إبتزاز أميركي للدول الخليجية العربية.
لكن إيران لم ترضخ، لا بل تعمّدت عدم الإكتراث للضغوط الأميركية، فرفض المرشد الأعلى للثورة الإيرانية السيد على خامنئي إستلام او تسليم رسائل للرئيس الأميركي ​دونالد ترامب​ عبر اليابانيين.
واذا كانت الدول الخليجية تترقب إجراءات أميركية عملية بحق طهران، خصوصا بعد حادثة القافلتين التي بقيت هوية مُطلق الصواريخ عليها مجهولة، فخضعت للإتهام والنفي والتحليل، فإن القلق الفعلي بدا في تل أبيب. لم تستطع ​اسرائيل​ اقناع واشنطن بضرب ايران، بعد الفشل في اقناع طهران بتسهيل او غض النظر عن "​صفقة القرن​". وبحسب المعلومات تمّ العرض على الإيرانيين بالحصول على مكاسب إقليمية، ونووية، واقتصادية، وعدم اثارة امر وجودهم في سوريا، مقابل ضمان نجاح "صفقة القرن"، وعدم التشويش عليها. كلها عروضات فشلت، فتلقّت تل ابيب صفعة قاسية ومربكة. لكن الصفعة الثانية كانت في تصلّب السلطة الفلسطينيّة إزاء رفض الصفقة، وعدم تقبّلها لمؤتمر البحرين الإقتصادي، وإستنفار حركة "فتح" بشكل اكثر فاعلية من تعاطي حركة "حماس". هذا الرفض الفتحاوي يُعتبر الركن الفلسطيني الأساسي لإفشال "صفقة القرن". فلو قبل العالم بغربه وشرقه، بالعرب والإيرانيين، ولم يقبل الفلسطينيون بالصفقة، فهي فاشلة حُكماً.
لذلك، وامام حقيقة الصفعتين المؤلمتين لإسرائيل، تلجأ تل ابيب الآن الى التحذير من تصعيد يستهدفها، كما يدّعي الإعلام العبري. ينقل عن اوساط الإستخبارات الغربية والاسرائيلية تقديرات عن "استفزاز ما على احدى مناطق الحدود من اجل تصعيد اجواء الازمة الاقليمية واجبار الادارة الاميركية على اعادة فحص خطواتها بشكل مستعجل". يأتي هذا الضخ الإعلامي على وقع معلومات لم تعد سرية بشأن توقع تل أبيب "أن ايران تلعب على الوقت وأنها تأمل بأن تكون خسارة ترامب في الانتخابات الرئاسية الاميركية في تشرين الثاني 2020 ستؤدي الى تليين السياسة المتشددة للولايات المتحدة فيما يتعلق بمشروعها النووي". وبالفعل، ظهر تراجع ترامب الى المرتبة السادسة في استطلاعات الرأي التي جرت منذ ايام قليلة في الولايات المتحدة.
ومن هنا تحاول تل ابيب الإستفادة من المرحلة الترامبية التي تسعى لفرض "صفقة القرن"، وهي صارت تعلم ان اعلان الصفقة سيكون منقوصاً، بعد تلقّي الصفعتين المذكورتين. يزيد الألم الاسرائيلي ان رد الفعل الأميركي على الصفعتين باردٌ جداً، "فالخطوة الوحيدة التي اتخذها الاميركيون حتى الآن هي نشر تصريح عن ارسال نحو ألف جندي آخر الى منطقة الشرق الاوسط على خلفية الازمة". هذا لا يكفي تل ابيب، ولا يطمئنها، ولا يُخفي الذعر الإسرائيلي الذي لجأ الى الترهيب من استعدادات حلفاء ايران لتنفيذ استهدافات بحق الإسرائيليين. ولذلك ايضا جاء كلام الرئيس الإسرائيلي رؤوبين ريفلين "بتحذير ​حزب الله​ في حال اخضع ​لبنان​ لأجندة ايرانية"، لكنه قال: نحن غير متحمسين للذهاب الى حرب. قد يبدو الأمر خشية اسرائيلية فعلا، أسندتها تل ابيب بإجراء مناورتين عسكريتين، لا يبدّدان من حجم الصفعتين.