قيل الكثير عن لقاء الساعات الخمس الصريح والشامل الذي جمع رئيس ​الحكومة​ ​سعد الحريري​ ورئيس "​التيار الوطني الحر​" وزير الخارجية ​جبران باسيل​ أخيراً، والذي أعاد الحياة إلى ​التسوية الرئاسية​ بعدما اهتزّت وكادت أن تقع، لولا الوساطات التي دخل على خطّها أكثر من طرف.
وإذا كان اللقاء تعرّض بدوره للانتقاد، وصولاً إلى حدّ تشبيه مداولاته بـ "​صفقة القرن​"، في إشارةٍ إلى طبيعة النقاشات التي دارت خلاله، والتي قد تكون شملت الاستحقاقات الآتية وكيفية مقاربتها وإدارتها، وربما تقاسم "مغانمها"، ثمّة في المقابل، من رصد تغيّراً ولو "شكلياً" بنتيجته، في تصرّفات الوزير باسيل، تجلّى بوضوح في جلسة مجلس الوزراء الأخيرة.
وإلى "هدوئه" في الجلسة، سجّل كثيرون "صمتاً نسبياً" اعتمده وزير الخارجية في الساعات الماضية، على رغم استمرار "الحملات" ضدّه، ما يدفع إلى التساؤل عمّا إذا كان باسيل بدأ عملياً التغيير في أسلوبه نتيجة التفاهم مع الحريري، أم أننا أمام هدنة اختيارية لن تصمد طويلاً...

خصومٌ بالجملة


لا يخفى على أحد أنّ الوزير جبران باسيل راكم على مدى الأعوام الثلاثة الماضية من عمر العهد، خلافاتٍ مع معظم القوى السياسية الممثّلة في البرلمان والحكومة، حتى تلك التي تجمعه بها أوراق تفاهمٍ لم يُكتَب لها الصمود طويلاً، ربما باستثناء "​حزب الله​"، وإن اهتزّ تحالفه معه أكثر من مرّة، على وقع تصريحٍ من هنا، أو استحقاقٍ من هناك.
وإذا كان رئيس "الحزب التقدمي الاشتراكي" ​وليد جنبلاط​ يوصَف بأنّه "الأجرأ" بين خصوم باسيل، هو الذي يعتقد أنّ الأخير ينفذ خطةً مبرمجةً لعزله وتحجيمه، فإنّ اللائحة تشمل غالبية القوى السياسية، ومن معسكري "8 و14 آذار" السابقين على حدّ سواء، من "تيار المردة" إلى "حزب الكتائب" و"القوات اللبنانية"، وصولاً حتى إلى المستقلّين، الذين يتهمهم البعض باستبدال شعار "كلن يعني كلن" بـ"باسيل وبس".
ويُتّهَم وزير الخارجية من قبل هذه القوى بأنّه من فرّط بالعلاقة معها، من خلال محاولاته المستميتة للاستئثار بالسلطة والحكم، وصولاً إلى حدّ الانقلاب على كلّ التفاهمات التي تمّ إبرامها، على غرار "تفاهم معراب" مثلاً مع "القوات اللبنانية"، التي تحوّل رئيسها ​سمير جعجع​ إلى "المعارض الأول" للعهد، بعدما كان يخطّط ليكون "عرّابه". ولا يتردّد هؤلاء في القول إنّ باسيل يسعى من خلال هذه الاستراتيجية إلى "حجز" مقعده في الانتخابات الرئاسية المقبلة، ولكنّه على العكس من ذلك، يبتعد عن الرئاسة أكثر وأكثر، نظراً لأنّه يخلق بممارساته شبه إجماع على "فيتو" عليه.
وإذا كان المقرّبون من باسيل يدحضون هذه التهمة في المقابل، مشيرين إلى أنّ خصوم باسيل هم الذين يُدخِلون السباق الرئاسي في المعمعة من خلال محاولتهم محاصرة الرجل مسبقاً، فإنّهم يؤكدون أنّ الكرة ليست في ملعب باسيل، إذ إنّ الآخرين هم الذين يفتعلون المشاكل معه من دون طائل، فيما هو لا يوفّر فرصة من دون إبداء انفتاحه عليهم ومدّ يده لهم، كما حصل أخيراً مثلاً مع حزب "الكتائب" وكذلك "تيار المردة"، مع ضرورة احترام الأحجام النسبية التي أفرزتها الانتخابات النيابية الأخيرة.

"حرب نفسية"؟!


برأي المقرّبين من باسيل، فإنّ المشكلة الأساسيّة التي يعاني منها الرجل تتمثّل في "الحرب النفسية" التي يتعرّض لها من كلّ حدبٍ وصوبٍ، تارةً عبر نسب تصريحاتٍ غير دقيقة له، كما حصل في الأزمة الأخيرة مع "تيار المستقبل"، وطوراً عبر اعتماد "بروباغندا" في مواجهته، وصولاً إلى حدّ "الحكم على النيّات"، كما يحصل اليوم من خلال بناء البعض على "فرضيّات" في ملف التعيينات للهجوم عليه، علماً أنّ أيّ تصريحٍ مباشرٍ بهذا الخصوص لم يصدر عنه، بل إنّ الملف كلّه لا يزال بحكم المؤجّل لانعدام التوافق حول مقاربته.
لكن، حتى لو كان صحيحاً أنّ ثمّة من يعاني من "فوبيا باسيل" كما يحلو للمقرّبين منه القول، وأنّه بات "الشغل الشاغل" للكثيرين في الداخل والخارج، وكأنّ لا حياة سياسية من دونه، فإنّ كثيرين يرون في المقابل أنّ الرجل يتحمّل جزءاً غير بسيطٍ من المسؤولية، هو الذي لا يوفّر فرصة لـ "استفزاز" خصومه من دون أن يستغلّها، وخير دليلٍ على ذلك مثلاً تأخّره في نفي ما نُسب إليه حول "المارونية السياسية" أكثر من 24 ساعة، على رغم كلّ الضجة التي أحدثها، فضلاً عن تجاهله، أو ربما استخفافه، بالعديد من خصومه، ما يُخرجهم في الكثير من الأحيان عن طورهم، ويجعلهم يذهبون بعيداً في تصعيدهم ضدّه.
وإذا كان اللقاء الأخير الذي جمع باسيل بالحريري تطرّق إلى هذه النقاط تحديداً، خصوصاً أنّ رئيس الحكومة حمّل ضمناً وزير الخارجية جزءاً من مسؤولية الأزمة الأخيرة التي شهدتها علاقتهما، وهو ما ينعكس على جمهور "تيار المستقبل" في البيئة السنية بما لا يصبّ في صالحه، بل في صالح المصطادين في الماء العكر من داخل بيته "الأزرق" قبل خارجه، فإنّ ثمّة من يتحدّث عن "توافق" بين الجانبين، قد يكون مدعوماً من "حزب الله"، على أن يجري باسيل تغييراً "شكلياً" على الأقلّ، في علاقته بالآخرين في المرحلة المقبلة، تفادياً لأيّ إحراجٍ غير محبَّذ، لن يتردّد المتضرّرون من التسوية في استغلاله لغير الصالح العام، من دون أن يؤدي بالضرورة إلى أيّ تغييرٍ في المضمون، الذي لا بدّ أن يبقى ثابتاً.

الرئاسة أولاً...


يعتقد كثيرون أنّ كلّ الوساطات التي تُبذَل، وإن انعكست خطواتٍ خجولة من هنا أو هناك، لن تغيّر قيد أنملة في مسار "الحرب الباردة" المستمرّة فصولاً بين الوزير باسيل وكلّ خصومه، خصوصاً على الساحة المسيحية، ليس فقط لأنّ "الكيمياء" مفقودة بالكامل بينهم، ولكن قبل ذلك، لأنّ الصراع الفعليّ يبقى على الرئاسة.
هكذا، قد يقول باسيل إنّ يده ممدودة إلى خصومه، وقد يذهب خصومه إلى حدّ ادّعاء تلقّف هذه الكرة، إلا أنّ الجميع سيحرصون على أنّ حلّ أيّ إشكالٍ يجب أن يُستتبَع بخلق آخر، لأنّ ذلك من متطلبات المعركة الرئاسية التي ارتأى اللاعبون الأساسيون على خطّها فتحها باكراً جداً على ما يبدو، ولو من خارج السياق العام.