اعتبر الأمين العام لحزب الكتلة الوطنية ال​لبنان​ية بيار عيسى أن التحالفات العموديّة بين قوى 8 و​14 آذار​ تفككت لتحلّ محلّها تحالفات مصلحيّة صرفة بين "الأحزاب-الطوائف" المتحكّمة والمستغلّة للسلطة غير آبهة بمصالح المواطنين، لافتا الى أن المشهد السياسي الحالي يشهد ترسيخا للطائفيّة السياسيّة تحت حجّة استعادة حقوق الطوائف الزائفة، تعميما للزبائنيّة عبر التعيينات الإداريّة واحتكار التمثيل الطائفي، وتثبيتا للفساد، حيث نجد أنّ كل الطبقة السياسيّة تدّعي ​مكافحة الفساد​ وفي الوقت ذاته تقرّ بالإجماع موازنة تخفّض مخصّصات أجهزة الرقابة ك​ديوان المحاسبة​ و​التفتيش المركزي​ وهي الجهات المولجة بمكافحة هذا الفساد ووضع حدٍ له، من دون أن ننسى حالة التبعيّة للخارج التي أصبح الجميع يجاهر فيها من دون حياء ضاربين السيادة ومفهومها الحقيقي بعرض الحائط.
وأشار عيسى في حديث لـ"النشرة" الى أن المشهد السياسي قاتم، فكيف إذا أضفنا إليه الإنكماش الاقتصادي وتفشّي البطالة بشكل غير مسبوق، لافتا الى انه مقابل كل ذلك "نجد كلّ همّ هذه الطبقة الحاكمة التلهّي بالسجالات السياسيّة، وإطلاق العنان لقياداتها ولجيوشها الإلكترونيّة لزيادة الاحتقان الطائفي على مواقع التواصل الاجتماعي بشكل معيب ويتّسم باللامسؤوليّة الكاملة".


لبنان مزدهر أخضر وعادل


وردا على سؤال، أوضح عيسى أن "الكتلة الوطنية" هي حزب إجتماعي ليبرالي، سيادي حيادي، ومُواطني غير طائفي، لافتا الى وجود فارق أساسي بين العمل السياسي الحزبي وعمل كتل الضغط ومن بينها المجتمع المدني، يقوم على أنّ الأحزاب تسعى للوصول إلى السلطة للتغيير، في حين أنّ كتل الضغط تسعى إلى تحقيق أهدافها لا أكثر. واعتبر أن ما حصل مع المجتمع المدني في لبنان هو أنّه خلط بين الأمرين علماً أنّه كان أمام فرصة نادرة تمكّن عبرها من جمع تأييد كبير، وكنّا معه في تحقيق أهدافه التي تؤمّن حداً أدنى من حقوق المواطنين التي تخلّت عنها الطبقة السياسيّة. وأضاف: "لكن مع الأسف عجز المجتمع المدني عن تحقيق هذه الأهداف لأنّ "الأحزاب-الطوائف" في السلطة قرّرت، رغم كل تناقضاتها، مواجهته لأنّه بات يشكّل خطراً عليها. ويبدو أنّ هذه الأحزاب تشكّل حلقة مغلقة إذ نجدها تتّحد ضدّ أيّ طرف خارجي عند المسّ بمصالحها".
ورأى عيسى أن "الحل يقوم على استعادة المواطنين المبادرة السياسيّة عبر مشاركتهم بانتخاب من يرونه ملائماً لمصلحة لبنان، لا أن يكونوا مرغمين على التجديد للطبقة ذاتها التي جعلتهم رهائن وتذلّهم يومياً من خلال الفساد والزبائنيّة"، موضحا أن الكتلة من جهة القضايا والأهداف أقرب إلى المجتمع المدني، ولكنّنا نختلف معه في أطر العمل. أما تنظيمياً فنحن أقرب إلى أحزاب السلطة مع فارق أساسي بطريقة اتّخاذ القرار حيث نجده عمودياً لديها وأفقياً لدينا، وطبعاً نختلف معها جوهرياً في نظرتنا إلى طريقة العمل السياسي.
وأشار عيسى الى ان خطة "الكتلة" تقضي بالعبور بلبنان من سيّد حرّ ومستقل، الذي هو أضعف الإيمان، إلى مزدهر أخضر وعادل، معتبرا أن السبيل إلى ذلك هو إرساء فضائل خمس مكان العلل التي سبق وذكرتها، وهي تحديداً المواطنة محلّ الطائفيّة والنزاهة بدلاً من الفساد، والديمقراطيّة مقابل الإقطاعيّة أو التوريث السياسي، ودولة القانون لمواجهة الزبائنيّة، والسيادة الحقّة للقضاء على التبعيّة. وقال: "نحن وضعنا خطة عمل قائمة على ستة محاور هي الإقتصاد والحوكمة والخدمات العامة والمجتمع والبيئة والجيوستراتيجيا وصلنا فيها إلى 101 هدف، ونعمل على خطة تفصيليّة لكلٍ منها، ستساعدنا في تفاصيلها ببلوغ ما نطمح إليه".

حل أزمة النزوح ممكن


وتطرق عيسى ل​ملف النازحين السوريين​، فاعتبر أنّ قضيّتهم إنسانيّة بالدرجة الأولى وغالبيّتهم ضحايا الحرب التي دمّرت أرزاقهم وشرّدتهم، لافتا الى أن على لبنان إلتزام أخلاقي وقانوني على هذا الصعيد وفق أحكام القانون الدولي. وكذلك يجب وضع حد للممارسات اللاإنسانيّة بحقّهم كحظر التنقّل وإنشاء مخيّمات لا تتماشى مع معايير السلامة، واستغلال الأطفال في العمالة وغيرها. وأضاف: "لكن وفي الوقت ذاته، هناك ضوابط تحكم هذه المسألة بحيث لا يجب أنْ تتجاوز مساهمة لبنان قدراته ولا أن تؤثّر على زعزعة استقراره. ومن هنا يجب اعتماد مقاربة اقتصاديّة واجتماعيّة علميّة لحل هذه الأزمة" مشددا على أن المساعدات الدوليّة للنازحين لا تعطي المجتمع الدولي براءة ذمّة تجاه مسؤوليّاته والتزاماته لحلّ المشكلة.
وحمّل تفاقم أزمة النازحين السوريّين للدولة و"الأحزاب-الطوائف" التي قَبِلَت، ليس في استقبالهم وهو واجب، إنّما بعدم تنظيم إقامتهم بما يحفظ أمن لبنان وحقوقهم وكرامتهم على حدٍ سواء ولو بالحد الأدنى، لافتا الى ان سبب ذلك كالعادة غياب التخطيط وسوء الإدارة والفساد في إدارات الدولة، وتوظيف قضيّة إنسانيّة عبر إدخالها في زواريب المناكفات السياسيّة.
وتحدث عن حل على مستويين، الأوّل عبر وضع خطة شفّافة وواضحة لحفظ لبنان أمنياً واقتصادياً واجتماعياً من جهة وللحفاظ على أرواحهم وكرامتهم طالما هم في لبنان. والثاني العمل مع "الأمم المتّحدة" و"جامعة الدول العربيّة" والضغط عبر اللوبي اللبناني والإنتشار على الدول المؤثّرة المعنيّة بالأمر كالولايات المتّحدة وروسيا وبالأخص على الاتّحاد الأوروبي. وذلك بهدف تحويل الأموال المخصّصة لهم لبناء مجمّعات سكنيّة موقّتة في المناطق الآمنة داخل سوريا تأويهم ريثما تنطلق ورشة إعادة إعمار سوريا. وهذا الأمر ممكن جداً على مراحل إذا توافرت الإرادة عند الدولة وأوقفوا أهل الحكم المتاجرة بقضيّتهم.

لا حرب شاملة


وردا على سؤال عن "​صفقة القرن​"، فشدد على ان هذه المسألة لا يمكن أن تحصل لا بالترهيب ولا بالترغيب، معتبرا انهم جرّبوا على مدى نحو 70 عاماً الترهيب وفشلوا، واليوم يحاولون عبر الترغيب بداية وسيفشلون لأنّ صاحب الحق رافض. وشدد على وجوب ان يواجه لبنان هذه الصفقة بدهاء لجهة ما تحمله من توطين للفلسطينيّين من خلال التحرك بشكل ناشط مع الأمم المتّحدة والاتّحاد الأوروبي وروسيا، وخصوصاً مع الولايات المتّحدة التي يملك لبنان أوراقاً كثيرة يمكن أن يلعبها مع إدارتها؛ ولكن إذا أسأنا طريقة المواجهة معها فسندخل في متاهة لا يُحمد عقباها.
وعن احتمال اندلاع حرب في المنطقة، اعتبر أنّ إيران والولايات المتّحدة ودول الخليج لا يريدون حرباً وإن كانوا كلّهم على استعداد لها، وخصوصاً أنّ إيران منزعجة جداً من العقوبات القاسية عليها. وقال: "تبقى طبعاً أيّة حسابات خاطئة، كإسقاط الطائرة الأميركيّة المسيّرة، والتي يمكن أن تؤدّي إلى ردود موضعيّة وربّما مؤلمة ولكن ليس إلى حرب شاملة".
وشدد على اهمية انتهاج لبنان سياسة الحياد، وقال: "نحن اليوم متّفقون على مبدأ "النأي بالنفس"، وعلى كل طرف ممثّل في الحكومة وفي ​المجلس النيابي​ الذي منحها الثقة إلتزام بيانها الوزاري لهذه الجهة وإلا فالاستقالة منهما".
وختم: "لبنان تحمّل أكثر من غيره تبعات التشرذم الإقليمي. فالدول الإقليميّة تلهّت بخلافاتها عندما كان ​جنوب لبنان​ محتلاً ويقاوم بمفرده. فكفى لبنان، وخصوصاً مواطنيه في الجنوب معاناة من أجل مبارزاة إقليميّة ودوليّة لا تخدم إلا هذه الأطراف الخارجيّة".