توحي جميع المواقف المعلنة من قبل أغلب القوى السياسية المحلية، على الرغم من خلافاتها الكثيرة، بأن هناك إجماعاً على فض "خطة السلام" الأميركية، أو ما بات يُعرف بـ"صفقة القرن"، لكن في المقابل هناك من يعمم ثقافة الإستسلام، ولو كان ذلك بصورة غير مباشرة، على قاعدة الإستفادة من المساعدات الماليّة التي ستحصل عليها دول الجوار، والتي تم الكشف عنها من قبل جاريد كوشنير، صهر الرئيس الأميركي ​دونالد ترامب​.
حتى الساعة، لا أحد يعرف مضمون الشقّ السيّاسي من هذه الثقافة، لكن كل الخطوات الأميركية التي سبقت مؤتمر المنامة في ​البحرين​ لا تبشر بالخير، من الإعتراف بالقدس عاصمة ل​إسرائيل​ إلى الإعتراف بسيادة تل أبيب على الجولان المحتلّ وصولاً إلى التلميح بـ"حقها" في ضم أراضٍ من الضفة الغربية.
إنطلاقاً من ذلك، تشدد مصادر سياسية مطلعة، عبر "النشرة"، على أن أحداً من القوى السياسيّة في البلاد، على ضفتي قوى الثامن والرابع عشر من آذار، لا يمكن له الترويج لهذه الصفقة، بغض النظر عن الخطوات المقبلة منها، وتشير إلى أن ما هو أكيد أنها تشطب حقّ العودة للاجئين الفلسطينيين، ما يعني توطينهم في البلدان التي يتواجدون فيها، وتضيف: "هذا مشروع حرب في ​لبنان​ لا أحد يستطيع تحمّله بأيّ شكل من الأشكال".
وتشير هذه المصادر إلى أن هناك توافقاً على التعامل مع مختلف التداعيات التي سترتب على إنطلاق مسار الخطة الأميركيّة، لكنها تبدي امتعاضها من السجالات الداخليّة التي لا تتوقف، لا سيما أن المرحلة الراهنة لا تحتمل أي رعونة، لأن المطلوب موقف لبناني موحد، بالتنسيق مع القوى و​الفصائل الفلسطينية​ التي أبدت تأييدها لأيّ تحرك تقوم به بيروت على هذا الصعيد، خصوصاً أن المرحلة المقبلة قد تكون أصعب.
في هذا الإطار، تستغرب المصادر نفسها وجود أصوات لبنانيّة تروج للإنخراط في هذه الصفقة، على قاعدة وجود دول عربية أخرى مشاركة فيها، وبالتالي لا يمكن أن يخرج لبنان عن الإجماع العربي، خصوصاً أن تلك الدولة أعلنت الإلتزام بما يقرّره الفلسطينيون على هذا الصعيد، وتلفت إلى أن هذه الدول لا تعاني ممّا تعانيه بيروت في هذا السياق، التي رفضت سابقاً الترويج لنظرية شطب ديونها الخارجيّة مقابل التوطين، فكيف هو الحال بالنسبة إلى الحصول على 6 مليارات دولار فقط، بحسب ما يروّج.
على هذا الصعيد، تذكّر المصادر السياسيّة المطّلعة بأن المبادرة العربيّة للسلام، الصادرة عن قمة بيروت في العام 2002، لم تكن تتضمن في نسختها الأصليّة بند ​حق العودة​ للاجئين، إلا أن الإصرار اللبناني في ذلك الوقت أدى لإدراجه في المبادرة قبل تبنيها من ​الجامعة العربية​، وتشير إلى أن هذا يؤكد على أن الرضوخ لللضغوط الخارجية، سواء كانت عربية أو أجنبية، ليس قدراً محتماً بل يمكن مقاومتها بكافة الإشكال.
وفي حين ترى المصادر نفسها أن ​الإدارة الأميركية​ الحاليّة تريد إستغلال الأوضاع الصعبة في المنطقة، لتمرير الصفقة التي تخدم المصالح الإسرائيليّة بشكل كامل، ترفض ما يتمّ الترويج له عن أن الموافقة اللبنانية على الدخول في مفاوضات مع الجانب الإسرائيلي، ل​ترسيم الحدود​ الجنوبيّة البريّة والبحريّة، مقدمة يمكن الإنطلاق منها لعدم معارضة "خطة السلام"، لا سيما أن لبنان ينطلق في هذه المفاوضات من معادلة واضحة تتمثل برفض التفريط بالحقوق.
في المحصّلة، تجزم هذه المصادر بأن كلفة الدخول في أي مغامرة من هذا النوع ستكون أكبر من أي مساعدات مالية قد يحصل عليها لبنان، وتدعو إلى التمسك بالموقف الرسمي الواضح على هذا الصعيد، فالمسألة لا تحتمل وجهات نظر.