في الوقت الذي تتجه فيه ​الحكومة​ إلى معالجة أزمة الإضراب في ​الجامعة اللبنانية​، الذي من المتوقع الإعلان عن تعليقه يوم الجمعة المقبل، تجد نفسها أمام تصعيد ​العسكريين المتقاعدين​ في مواجهة مناقشة مشروع موازنة العامة 2019، لا سيما بالنسبة إلى البنود التي تمسّ بحقوقهم، من خلال قطع الطرق الرئيسية التي تربط العاصمة بيروت بالمناطق، من الساعة الخامسة من صباح الغد حتى الساعة العاشرة.
من حيث المبدأ، سيدفع المواطنون اللبنانيون الذين يتوجهون إلى أعمالهم في العاصمة وضواحيها ثمن هذا التحرك، في حين تتوجه الأجهزة الأمنية إلى اتّخاذ إجراءات إحترازية لمنع إقفال الطرق، لكن في جميع الأحوال هذا لن يحول دون إزدحام السير في ساعات الذروة.
في هذا الإطار، لن يسمح العسكريون المتقاعدون إلا بمرور الآليات التابعة للقوات المسلّحة والدفاع المدني والصليب الأحمر والهلال الأحمر وسيارات الإسعاف التابعة للبلديات والجمعيات وآليات قوات الأمم المتحدة التي تحمل شعارها، لكن اللافت هو تأكيدهم أن هذه الخطوة تحذيرية لا أكثر، لأن الخطوات اللاحقة ستكون أشدة قسوة وإيلاماً.
إعتراض العسكريين المتقاعدين يتمحور حول 3 نقاط أساسية، الأولى تتعلق بفرض ضريبة دخل على التعويضات الإضافية، أما الثانية فهي المادة 76 من مشروع ​الموازنة​ التي تمنع الإحالة على التقاعد في السنوات الثلاث المقبلة، إلا لمن بلغ السن القانونيّة للتقاعد، أما الثالثة فهي رفع نسبة بدل الطبابة التي يدفعها العسكريون من 6% إلى 9%، لكن اللافت هو إعلانهم عدم التراجع إلا بعد إسقاط كل المواد والبنود التي تطال حقوق المواطنين على اختلاف شرائحهم، ما يوحي بأن مروحة المطالب توسعت.
في هذا السياق، علمت "النشرة" أن التحرّك سيكون بشكل أساسي على الطرقات الدوليّة التي تؤدّي إلى العاصمة عبر 3 نقاط هي: ما قبل نفق شكا، جسر النملية (قبل ضهر البيدر لجهة المريجات)، عند محلة الفاميلي بيتش في خلدة، الأمر الذي يؤكّد عليه العميد الركن الطيار المتقاعد أندريه بو معشر.
ويشير معشر، في حديث لـ"النشرة"، إلى أن تحول حامي القانون إلى خارج عن القانون هو بحد نفسه رسالة على السلطة أن تدركها، بالرغم من تأكيده بأن المواطنين سينزعجون من هذا التحرك، لكنه يلفت إلى أنه لا يمكن توجيه اللوم إلى العسكريين المتقاعدين، لأن المسؤولين هم من قالوا لهم أن ليس هناك من طريقة أخرى لتحصيل الحقوق، ويضيف: "قطع الأرزاق من قطع الأعناق".
على هذا الصعيد، يؤكد بو معشر توسع مروحة المطالب، حيث يلفت إلى أن الضريبة 2% على الإستيراد ستطال جميع المواطنين، كما أنّ السياسة التي تعتمدها السلطة هي لإرضاء صندوق النقد وليس لوضع موازنة تكون محفزة للنمو وتزيد الناتج المحلي، الأمر الذي سيؤثر على الإستقرار الإقتصادي وعلى موازنة عام 2020.
إنطلاقاً مما تقدم، يأخذ تحرك العسكريين المتقاعدين أبعاداً مختلفة عما كان عليه في السابق، حيث بات المطلوب وجود تطمينات بأن السلطة ستكون أهل لإدارة القروض التي ستأتي قبل الإستدانة، بالإضافة إلى إسقاط الموازنة كي لا يمنح البنك الدولي الدولة المزيد من القروض.
حول هذا الموضوع، يشدد بو معشر على أن هناك شعرة رفيعة بين حقوقهم كعسكريين متقاعدين وحقوقهم كمواطنين، أي أنهم يدفعون الثمن مرتين، خصوصاً أن لا ثقة بالسلطة الحالية.
بالنسبة إلى أبواب الحوار مع الحكومة، يوضح بو معشر أنه في السابق كان هناك وعد من وزير الدفاع الوطني ​الياس بو صعب​ بتحصيل حقوقهم، على قاعدة عدم تحركهم من خلال الإعتصامات والتظاهرات، لكنه يشير إلى أن الوزير نفسه تحدث، في الأيام السابقة، عن أن أكبر تخفيض حصل في وزارة الدفاع، ويلفت إلى أن هناك على ما يبدو توافق بين وزارتي الدفاع والمالية بالنسبة إلى رفع بدل الطبابة التي يدفعها العسكريون من 6% إلى 9%.
المطالبة بإسقاط الموازنة، بحسب ما يؤكد بو معشر، تعود إلى أن السلطة عملت على مبدأ فرق تسد، ومن ثم إرضاء كل فئة من الممكن أن تعترض بنسبة قليلة لإمرار المرحلة الراهنة، في حين أن العسكريين المتقاعدين يعمدون إلى نسج خيوط تعاون مع كل القطاعات وكل ذوي الدخل المحدود، ويضيف: "لا نبغي إسقاط السلطة أو أن نحل مكانها، بل إعادة تصويب الأداء السياسي الذي ندفع ثمنه كل يوم".
من جانبه، يشير العميد المتقاعد النائب ​الوليد سكرية​، في حديث لـ"النشرة"، إلى أن العسكريين المتقاعدين يعملون من تلقاء أنفسهم ولا علاقة لهم بالنواب الضباط، الذين التقوا بهم عند بدء دراسة الموازنة، ومن ثم عرضوا مسألة البند المتعلق بإلغاء التجهيزات للضباط على رئيس الجمهورية العماد ​ميشال عون​، الذي سقط في مجلس الوزراء لا سيما بعد إقتناع رئيس الجمهورية بهذا المطلب.
بالنسبة إلى البنود الأخرى، مثل المعاشات التقاعدية وبدل الطبابة، يعتبر سكرية أنها عملية إلتفافية من أجل أخذ 10% من الرواتب، ويوضح أن العسكريين المتقاعدين لمسوا أن كل الكتل النيابية ضد الضريبة على المعاشات التقاعدية وضد وقف التسريح بعد 3 سنوات، لكن في المقابل لم يتم إسقاط هذه البنود بل تم تأجيلها لتطرح لاحقاً، ويضيف: "التأجيل يعني إعادة البحث بين الذين أعدوا الموازنة من القوى السياسية الأساسية، كي تعود بصيغ جديدة أو معدلة".
وفي حين يلفت سكرية إلى أن الخشية عند العسكريين المتقاعدين هي من عدم إسقاط هذه البنود، طالما أن الجميع ضدها، وبالتالي هم يتوقعون الإلتفاف والعودة بصيغ جديدة، ولعدم ثقتهم بالحكومة وبمن يصيغ الموازنة قرروا التحرك، يؤكد أنه ضد خطوة قطع الطرق المقررة غداً بالرغم من دعمه رفع الصوت عالياً من قبلهم، ويعتبر أن الضغط من خلالها سيكون على المواطن العادي أكثر مما هو على الحكومة.

في المحصلة، يتجه العسكريون المتقاعدون، صباح الغد، إلى تصعيد تحركهم، واضعين هدفاً أساسياً له إسقاط الموازنة العامة لعام 2019، فهل ينجحون في ذلك؟.