كثيرةٌ هي التبريرات التي أعطيت لعدم التئام ​الحكومة​ منذ "تطيير" الجلسة الأخيرة لمجلس الوزراء على خلفيّة حادثة ​قبرشمون​، التي أفرزت انقساماً عمودياً واسعاً داخل الحكومة، من بينها الخوف على انهيار التضامن الوزاري، وبالتالي انفجار الحكومة تلقائياً من الداخل، والخشية من الذهاب بالبلاد إلى المجهول الذي لا تُحمد عقباه في هذه الحال.
وعلى رغم أنّ رئيس الحكومة ​سعد الحريري​ برّر إرجاء الجلسة الأخيرة بالحاجة إلى 48 ساعة لتبريد الأجواء، إلا أنّه "اعتكف" بعد ذلك عن الدعوة إلى أيّ جلسة، وسط إصرارٍ ضمنيّ على رفض إقحام الحكومة في تداعيات حادثة قبرشمون، في ظلّ استمرار الانقسام حول معالجتها، بانتظار أن تفعل الوساطات الجارية فعلها، إن نجحت.
لكن، ولأنّ الحكومات في مختلف دول العالم يفترض بها في المبدأ أن تعقد جلسات استثنائية في مثل هذه الظروف، بدل الهروب إلى الأمام كما هو حاصل، ثمّة من يسأل عمّا إذا كانت الحكومة اللبنانية تكرّس بذلك انعدام "الديمقراطية" في صفوفها، خصوصاً أنّ كلمة السرّ خلف كلّ التعطيل الحاصل تنحصر في الدعوات إلى التصويت على إحالة حادثة قبرشمون إلى المجلس العدلي...

"انتفاضة حريرية"؟!


تتعدّد التفسيرات التي يسوقها البعض في معرض الحديث عن "التعطيل" الحاصل لجلسات مجلس الوزراء، وإن رفض رئيس الحكومة استخدام هذا المصطلح، باعتبار أنّ الحكومة ستعود إلى الالتئام، عاجلاً أو آجلاً.
ثمّة من يحمّل تكتل "لبنان القوي" برئاسة وزير الخارجية ​جبران باسيل​ المسؤولية، مستذكراً ما حصل في جلسة مجلس الوزراء الأخيرة، عندما ارتأى باسيل ترؤس اجتماع وزاري تشاوري لأعضاء تكتّله في مقرّ وزارة الخارجية تزامناً مع الموعد المقرَّر للجلسة، ما وضع الحريري وسائر الوزراء في موقفٍ لا يُحسَدون عليه، وهم ينتظرون قدوم زملائهم زهاء ساعتين من الوقت، قبل أن يتمّ التفاهم على إعلان الحريري "تأجيل" الجلسة، رفعاً للعتب والحَرَج في آن.
لكن، في المقابل، ثمّة من يقول إنّ ما سرى على الجلسة السابقة لم يعد سارياً اليوم، باعتبار أنّ الاتصالات السياسية أفضت إلى التفاهم على التأجيل يومها، بل إنّ هناك توافقاً بين كلّ مكوّنات الحكومة على أنّ هذا القرار كان "حكيماً"، لأنّ ظروف التئامها بعد أقلّ من 48 ساعة على حادثة قبرشمون، كانت ستؤدّي بطبيعة الحال إلى الانفجار. ويلفت أصحاب هذا الرأي إلى أنّ الوزير باسيل أكد مراراً، شأنه شأن أعضاء تكتله، استعداد وزراء "لبنان القوي" إلى حضور أيّ جلسةٍ يدعو إليها رئيس الحكومة، في أيّ وقت، بصرف النظر عن أيّ تطوّرات أخرى.
وبين هذا الرأي وذاك، لا يبدو مبالَغاً به اعتبار ما هو حاصل بمثابة "انتفاضة" يقودها الحريري، باعتبار أنّه من يقرّر متى وكيف يدعو إلى جلسات مجلس الوزراء، رفضاً لمصادرة دوره وصلاحياته، خصوصاً أنّ الملابسات التي رافقت الجلسة السابقة لم تصبّ في صالحه، على رغم "الإخراج" الذي تمّ اعتماده. وبدت هذه "الانتفاضة" واضحة في الكلام الذي صدر عن الحريري بعد لقائه رئيس الجمهورية ​ميشال عون​ قبل أيام، حين جدّد القول إنّه من اتخذ قرار التأجيل، مقلّلاً من شأن عدم انعقاد مجلس الوزراء، باعتبار أن التئامه في نهاية المطاف "تحصيل حاصل".

لا للتصويت...


لكن، أبعد من "الانتفاضة" و"التعطيل"، أو ربما خلفهما، يكمن السبب الحقيقي لإصرار رئيس الحكومة على تأجيل جلسات مجلس الوزراء قدر الإمكان، ألا وهو تفادي إقحام مجلس الوزراء في لعبة "التصويت" على إحالة حادثة قبرشمون إلى المجلس العدلي، لما لذلك من انعكاساتٍ كارثيّة على الحكومة، أياً كانت نتيجة التصويت، علماً أنّ ثمّة مؤشرات توحي بأنّ الداعين إلى حصول هذا التصويت أنفسهم لا يريدون حصوله.
وثمّة من يتحدّث عن "جبهة" حكومية عريضة بدأت تتشكّل رفضاً لأيّ تصويتٍ من هذا النوع، قوامها، إلى جانب رئيس الحكومة، رئيس مجلس النواب ​نبيه بري​، الذي سبق أن أعلن موقفه الواضح لجهة رفض الإحالة قبل استكمال التحقيقات الأولية، إلا أنّه لا يريد أن يوضَع في موقفٍ مُحرجٍ عند التصويت بين "صديقه" رئيس "الحزب التقدمي الاشتراكي" النائب السابق ​وليد جنبلاط​، وحلفائه في "​حزب الله​"، وإن كان المرجَّح أن يذهب تصويته لصالح الأول، كما فعل مثلاً في الانتخابات الرئاسية عندما لم يصوّت مع "الحزب".
وإلى بري والحريري، تضمّ هذه "الجبهة" رئيس "تيار المردة" ​سليمان فرنجية​، بل لعلّه من يتصدّرها، هو الذي يكاد يكون الوحيد الذي حرص على عدم إعلان أيّ نيّةٍ واضحةٍ في حال التصويت، وبعدما استقبل في دارته طرفي الاشتباك على حدّ سواء، خصوصاً أنّ فرنجية يسعى إلى الحفاظ على علاقةٍ جيّدةٍ مع مختلف المكوّنات، بانتظار السباق الرئاسي المقبل، وهو في الوقت الذي يرفض فيه تقديم "الهدايا" إلى باسيل وفريقه، يتمسّك بعلاقته المبدئية مع "حزب الله"، ويرفض الوقوف في مواجهته.
في مطلق الأحوال، ثمّة من يؤكد أنّ خيار التصويت لن يُطرَح، لأنّ محاذيره أكثر من إيجابيّاته، علماً أنّ معسكري الإحالة وعدمها شبه متعادليْن في الأصوات، إلا أنّ انتصار فريقٍ على آخر قد يجعل الحكومة بحدّ ذاتها "الخاسر الأكبر"، إذا لم يتمّ التوصّل إلى تسوية مسبقة، لأنّ جنبلاط لن يقبل ما سيعتبره استهدافاً له، وقد يذهب إلى خيار الاستقالة، وكذلك أيضاً "الحزب الديمقراطي اللبناني" والوزير صالح الغريب، الذي قد يتضامن معه "التيار الوطني الحر"، ما من شأنه الإطاحة بالحكومة عن بكرة أبيها.

فقط في لبنان...


في كلّ دول العالم، تجتمع الحكومات تلقائياً عند وقوع أحداث استثنائية تهدّد الأمن القومي، إلا في لبنان حيث تعتكف الحكومة، خوفاً على أمنها الذاتي.
في كلّ دول العالم، يتمّ اللجوء إلى التصويت داخل مجلس الوزراء عند حصول أيّ انقسام، إلا في لبنان حيث يكون التصويت جريمة، بمثابة خيانة عظمى ربما.
ولكن، لا غرابة في الأمر، في بلدٍ ابتدع ديمقراطية توافقيّة، جرّت وراءها حكوماتٍ من نوع الوحدة الوطنية الزائفة، قضت على الديمقراطية، بكلّ معاييرها.
ما يجري اليوم لا يفترض أن يدعو إلى التباكي على ديمقراطيّةٍ لم تكن أصلاً موجودة، بل ربما يجب أن يستدعي البكاء على أطلال وطنٍ لا يزال يبحث عن هويّته