تتواصل الجُهود الآيلة إلى إيجاد المخرج المقبول لملف أحداث ​قبرشمون​ والبساتين، في ظلّ تشدّد واضح من جانب رئيس "​الحزب الديمقراطي اللبناني​" النائب ​طلال أرسلان​، مَدعومًا من كلّ من "التيّار الوطني الحُرّ" و"​حزب الله​"، في مُقابل إستمرار رئيس "​الحزب التقدمي الإشتراكي​" النائب السابق ​وليد جنبلاط​ في مُقاومة الضُغوط المُتصاعدة عليه. فكيف يُتوقّع أن تنتهي هذه القضيّة، وما هي الخيارات المَطروحة، وماذا عن مصير جلسة الحكومة المُرتبطة بشكل مُباشر بإرتداداتها؟.
بداية، لا بُد من الإشارة إلى أنّه في حال عدم التوافق على تسوية لأحداث "الجبل"، فإنّه من المُستبعد أن يدعو رئيس مجلس الوزراء ​سعد الحريري​ إلى عقد جلسة للحكومة، لأنّه حتى لو لم يُدرج ملف قبرشمون والبساتين على جدول أعمالها، فإنّه سيتمّ طرح الموضوع من خارج جدول الأعمال، بتغطية من قبل رئيس الجمهوريّة العماد ​ميشال عون​. وعندها يُصبح رئيس الحكومة أمام خيارين: الأوّل رفع الجلسة والعودة إلى حال الشلل على مُستوى السُلطة التنفيذيّة، مع توقّع إرتفاع منسوب التوتّر السياسي الداخلي، والثاني الإنخراط في الجدل الذي يُتوقّع عندها أن يكون صاخبًا بين أكثر من مُكوّن أساسي من مُكوّنات الحكومة، في ظلّ مُطالبة من أكثر من طرف بطرح ملفّ إحالة القضيّة إلى المجلس العدلي على التصويت. وفي هذه الحال، فإنّ الوزراء المَحسوبين على كلّ من "التيّار الوطني الحُرّ" و"حزب الله" و"الحزب الديمقراطي اللبناني" و"اللقاء التشاوري" و"تيّار المردة" سيُصوّتون إلى جانب القرار، ما سيُؤمّن عندها 15 صوتًا وزاريًا، يُقابلهم إعتراض من جانب وزراء كل من "الحزب التقدمي الإشتراكي" و"القوّات اللبنانيّة" و"تيّار المُستقبل" مع رئيس الحكومة (12 وزيرًا) يُضاف إليهم تحفّظ متوقّع من جانب وزراء "حركة أمل" (3 وزراء)، ما سيُشكّل إنقسامًا خطيرًا داخل الحُكومة، مع إحتمال أن يحسمه صوت رئيس الجمهوريّة المُرجّح.
وإنطلاقًا مِمّا سبق، من المُستبعد جدًا أن يتم عقد أي جلسة حُكوميّة قبل التوصّل إلى حلّ، على الرغم من التفاؤل الذي حرص رئيس مجلس الوزراء على إبدائه مؤخّرًا، بهدف تليين الأجواء ومُحاولة كسر حال التشنّج. وبالتالي، إنّ تأكيد رئيس الحكومة عقد جلسة للسُلطة التنفيذيّة الأسبوع المُقبل ينطلق من تفاؤله بإمكان التوصّل إلى تسوية لهذا الملف خلال الأيّام القليلة المُقبلة، وليس إنطلاقًا من أيّ شيء آخر. وفي هذا السياق، يُوجد أكثر من إقتراح حلّ، أبرزها:
أوّلاً: أن تتمّ إحالة الملف بكامله إلى المحكمة العسكريّة، بحيث تخرج من يد فرع المعلومات والضابطة العدليّة، لكن من دون أن تُحوّل إلى المجلس العدلي. وفي حين وافق النائب السابق جنبلاط على هذا الطرح، فإنّ النائب أرسلان لا يزال حتى الساعة يرفضه، ويُصرّ بالإحالة إلى المجلس العدلي، على الرغم من الوُعود التي تلقّاها بالإسراع بالتحقيقات في المحكمة العسكريّة، وبالتشدّد بالقرارات التي ستتخذها عند إنتهاء تحقيقاتها.
ثانيًا: ترك مسألة الإحالة إلى المجلس العدلي مُعلّقة حاليًا، ومَرهونة بخُلاصة التحقيقات التي سيتمّ التوصّل إليها عند تسليم كل المَطلوبين والمُتهمين الذين شاركوا في عمليّات إطلاق النار، وهو ما لم يحصل حتى الساعة من جانب الحزبين "الإشتراكي" و"الديمقراطي". وبالتالي، في حال تسليم كل الأشخاص المَطلوبين والمُتهمين، وعند البتّ في تفاصيل ما حدث بشكل مُعمّق أكثر، يتقرّر ما إذا كانت المسألة عبارة عن إشكال مُسلّح تطوّر إلى جريمة قتل غير مقصودة، أم أنّ المسألة عبارة عن كمين مُنظّم وحتى عن عمليّة إغتيال مُدبّرة ومُخطّط لها مُسبقًا. لكنّ هذا السيناريو مَرفوض حتى الساعة من جانب النائب أرسلان، بحجة الخشيّة من تسويف الملفّ مع الوقت، وعدم إعطائه الأهميّة التي يستحقّ إنطلاقًا من خُطورة ما حدث.
ثالثًا: أن تتمّ إحالة الملف إلى المجلس العدلي، لكن ليس وفق صيغة تُظهر النائب السابق جنبلاط مَكسورًا، ولكن وفق صيغة تسوية تحفظ ماء وجه هذا الأخير، تتمثّل في تسليم كل المَطلوبين والمُتهمين إلى المُحاكمة، لا سيّما منهم مُرافقي الوزير صالح الغريب، والذين يتّهمهم الحزب "الإشتراكي" بتوجيه أسلحتهم فوق رؤوس الناس المُحتشدين في الشارع، الأمر الذي تسبّب بردّ فعل ناري من جانب انصار جنبلاط–بحسب رواية "الإشتراكي"، والتي تُقابلها رواية أخرى من جانب الحزب "الديمقراطي" تتحدّث عن إضطرار عناصر المُواكبة إلى إطلاق النار لحماية أنفسهم ومن معهم في المَوكب بعد قيام قنّاصة بفتح النار على سيّاراتهم. وعُلم أنّ ضُغوطًا كبيرة تُمارس على النائب جنبلاط لحمله على المُوافقة على إحالة الملفّ إلى المجلس العدلي، طالما أنّه واثق أنّ إطلاق النار على الموكب جاء عفويًا ودفاعًا عن النفس، على أن يسبق ذلك تسليم كل المُطلوبين والمُتهمين من جانب الحزب "الديمقراطي"، وليس من جانب الحزب "الإشتراكي" فقط، لتبيان كل الحقائق والتفاصيل، ولإنتزاع كل الإعترافات بشكل عادل ومُنصف للجميع.
في الخُلاصة، من المُرجّح عدم مُعاودة جلسات مجلس الوزراء قبل التوصّل إلى تسوية في ملفّ أحداث قبرشمون والبساتين، لأنّ عقد الجلسة من دون توافق مُسبق، سيزيد الأمور تعقيدًا وقد يُفجّر مجلس الوزراء من الداخل. ومن المُرجّح أيضًا أن تقوم التسوية على إقناع النائب السابق جنبلاط بالمُوافقة على الإحالة إلى المجلس العدلي، بعد تلبية مجموعة من المطالب، وأوّلها تسليم كل المطلوبين من جانب "الحزب الديمقراطي اللبناني"، والتعهّد بأن تتمّ المُحاكمة بشكل عادل لكل الأطراف ومن دون إنحياز، بحكم التموضع السياسي لوزير العدل الحالي ألبير سرحان. والأكيد أنّه في حال بقي التشدّد قائمًا من جانب كل الأطراف المَعنيّين، فإنّ خيار إستقالة رئيس الحكومة المُستبعد تمامًا في هذه المرحلة، قد يطفو من جديد!.