إستطاع رؤساء الحكومات السابقين ​نجيب ميقاتي​، ​تمام سلام​، و​فؤاد السنيورة​ فرض تكتل سياسي يتعدّى وقعه حدود إهتمامات المسلمين السنّة في لبنان. هم رفعوا شعار "المحافظة على إتفاق الطائف" عنواناً لحراكهم السياسي داخلياً وسعوديّاً. فأخفى هذا العنوان تفاصيل بالجملة ستكشفها الأيام المقبلة تدريجياً، رغم صمت الثلاثي عن البوح إعلامياً بشأن مسار خطة عمل التكتل. لكن طبيعة العنوان تخفي محاولة سياسية سنّية يقوم بها التكتل الثلاثي لمنع إستهداف الحقوق التي إكتسبتها الطائفة المذكورة من خلال إتفاق الطائف.
منطقياً، يتصدّر ميقاتي صف الثلاثي، لأسباب عدّة: هو الأكثر تمثيلاً شعبياً ويقود تياراً وازناً في الشمال(تيار العزم)، ويترأس كتلة نيابية منوّعة طائفياً، والمستقلّ عملياً، يمتلك القرار وحده من دون أن يكون خاضعاً لحليف أو حلف، والأقدر مالياً، والأنشط تواصلاً مع القوى السياسية. كل تلك العوامل تفرض ميقاتي الثقل الأساسي في التكتل، بينما يُعتبر سلام حليف رئيس الحكومة ​سعد الحريري​ في السرّاء والضرّاء ويقف إلى يمينه في الإنتخابات والإستحقاقات، فيما يصطفّ السنيورة خلف رئيس تيار "المستقبل" في مشواره السياسي.
يعرف كل من الحريري وسلام والسنيورة أن ميقاتي هو رأس حربة التكتل. هذا ما إعترف به السعوديون ضمنيّاً، فجلس ميقاتي الى جانب الملك سلمان بن عبدالعزيز خلال لقائه منذ أيام. ما هي الإضافة السياسية التي يمكن ان يشكّلها التكتل من دون ميقاتي، طالما ان سلام والسنيورة يمارسان ذات سياسة الحريري، ويعتمدان على نفس قاعدته الشعبية، مع فارق بسيط بأن سلام يملك ارثاً بيروتياً شعبياً؟
وإذا كانت الأسئلة دارت حول اهداف التكتل، وما هي أبعاده؟ وهل يشكّل معادلة جديدة؟ فإنّ الاجوبة الشافية لم تتّضح بعد. لكن ما هو واضح أن ميقاتي نجح رص الصفوف حول أفكاره: هو اول الذين دعوا للحفاظ على موقع ودور ​رئاسة الحكومة​. لم يكن سلام والسنيورة يجاهران بموقف مشابه كي لا يُعتبر الأمر مشاكسة للحريري. كما ان ميقاتي إستطاع أن يجرّ الآخرين الى موقفه بشأن الممارسة السياسية لرئيس التيار "الوطني الحر" وزير الخارجيّة ​جبران باسيل​، والتي تُعتبر بالنسبة الى الرأي العام السنّي بأنها تمس موقع رئاسة الحكومة، في وقت يتحالف فيه الحريري مع باسيل.
لكن، لماذا يوحي "الشيخ سعد" بالموافقة على خطوة التكتل؟ يستطيع الحريري إجهاض مشروع الثلاثي، لكنه لم يفعل، بسبب عوامل عدّة، أولها منع تفرّد ميقاتي بالخطوة التي باتت مطلب الشارع السنّي. ثانيها، أن التكتل الثلاثي يقدر على قول ما لا يستطيع الحريري قوله، كي لا يُصبح خارج ​التسوية الرئاسية​ فيدفع الثمن إبعاداً عن المشاركة بالسلطة. ثالثها، بأن مطالب الثلاثي تشكّل إسناداً للحريري في فرض شروطه السياسية.
ينظر السنّة في لبنان بعين الرضا الى حراك وخطاب التكتل الثلاثي، بعد شعور بالضعف السياسي في الآونة الأخيرة. بينما باركت الرياض الخطوة وهي التي سعت في المدّة الاخيرة الى إيجاد تنوّع في القيادة السياسية للسنّة في لبنان، إلى حد تأسيس ثنائية تشبه ما يجري على الساحة الشيعية في لبنان بتوزيع أدوار ​حركة امل​ و​حزب الله​.
واذا كان سلام والسنيورة يتكاملان مع الحريري، فإن العين على ميقاتي الذي بات ركناً سياسياً يتعدّى الإهتمام بدوره حدود الشمال.
لكن، مصلحة كل قوى "8 آذار" والتيار "الوطني الحر" هي مع الحريري. لأن "الشيخ سعد" إستطاع ان يُطمئن خصومه السياسيين، ويتعايش معهم في الحكومة وخارجها، ويتوافق مع باسيل إلى حد بعيد، ولم تؤثر على حلفهما كل الإشكالات الماضية، فإعترف وزير الخارجية في لقاء تلفزيوني منذ أسبوع أن تواصله مع رئيس الحكومة دائم وحلفهما قائم، فأطاح بكل السيناريوهات التي تحدثت عن خلاف جوهري بينهما.
وعلى هذا الأساس، يحيط الحريري التكتل الثلاثي بإهتمامه العلني، كي يضمن الإيحاء أنه تحت رعايته، وأنه يمثل كل الحالة السياسية السنيّة. لكنه يعرف أن حوار الثلاثي وخصوصاً ميقاتي مع القادة السعوديين، يسمح للمملكة ان تُترجم فكرة الثنائية. لم يعد هناك من موانع، بعدما اسقطت كل التجارب والمحطات السابقة والحالية كل الإتهامات ضد ميقاتي، بل بات الحريري الآن أقرب الى "8 آذار" وبمن فيهم "حزب الله" من ميقاتي بأشواط.