لم يعتد ​لبنان​ كثيراً على ان يقدّم اشخاص يتولون المسؤولية العامة استقالاتهم جراء تصرفات قاموا بها. وعلى الرغم من انها ليست سابقة، الا انه لا يمكن اعتبار ما قام به النائب ​نواف الموسوي​ لجهة تقديمه استقالته، بمثابة امر عادي. ليس الهدف طبعاً الاضاءة على ما قام به الموسوي، وهو امر خاطىء من حيث اقتحام مخفر امني واطلاق النار على احد الموقوفين، انما الهدف هو التركيز على التزام ​حزب الله​ كلامه ومشروعه الانتخابي (خلال ​الانتخابات النيابية​)، لجهة الشفافية و​مكافحة الفساد​ وفق ما اعلن عنه الامين العام للحزب ​السيد حسن نصر الله​ في اكثر من مناسبة.
كانت لافتة نسبة السرعة التي سلكتها هذه القضية، فبعد ان كان الموسوي "موقوفاً" عن النشاط النيابي لفترة بفعل المواقف التي كان اطلقها داخل قبة البرلمان بحق الرئيس المنتخب الراحل ​بشير الجميل​ ودفعت برئيس الكتلة النائب ​محمد رعد​ الى تقديم اعتذار وطلب شطبها من المحضر، لم يهنأ بالعودة الى النشاط النيابي حيث حصل ما حصل مع ابنته وطليقها. توقع الكثيرون ان يعمد الحزب الى "تغطية" النائب الموسوي، او بأفضل الاحوال الاكتفاء بالتدابير المتخذة وابرازها اعلامياً فقط دون مواكبة عملية، وبالتالي التدخل لدى رئيس ​مجلس النواب​ ​نبيه بري​ لتأخير مفعول الاستقالة حتى نسيان الحادثة، فتبرد الهمّة وتعود الامور الى مجاريها بشكل طبيعي. لكن الحزب فاجأ الكثيرين وعمد الى تسريع الخطى في عملية الاستقالة، وهذا ما ظهر بوضوح في قراءة بري للاستقالة في اليوم التالي لتقديمها، اضافة الى ان الحديث في الاعلام بدأ عن بديل الموسوي ونشطت بورصة الاسماء في هذا المجال.
هذه الخطوة جعلت الكلام عن انسجام الحزب مع المواقف التي اطلقها اكثر جدية وقابلية للتصديق، فهو حين تكلم عن مكافحة الفساد ومواجهة الاخطاء التي تعتري مسيرة عودة لبنان الى دوره واستعادة عافيته ونشاطه، انتظر معارضوه كيفية تصرفه عند الوصول الى استحقاق يطاله او يتعلق به في هذا المجال. واتى الجواب عبر اعتراف الحزب بطريقة ضمنية بما ارتكبه الموسوي، والتصرف وفق هذا الواقع دون مواربة. إنها خطوة جريئة دون شك، ولكن اهدافها تتخطى الفعل السياسي لتوصل رسالة دبلوماسية لخارج لبنان مفادها ان الحزب لن يقف حجر عثرة امام الدولة ويمكنه التأقلم مع تعزيز حضورها، وهو مستعد للحديث عن كل الامور والمواضيع ما عدا سلاحه الذي يعتبر انه سيوجّه فقط في وجه اسرائيل عند اعتدائها على لبنان. اما للداخل فالرسالة التي يريد الحزب ايصالها من الموقف الذي اتخذه، مفادها انه عازم على محاربة الفساد ولو لم يتمكن فعلياً بعد من تحقيق امور عديدة ملموسة، ويمكن ان يتحالف مع اي حزب في لبنان اكان من المؤيدين ام من المعارضين، في سبيل اظهار التزامه بالوعود التي اطلقها ابّان الانتخابات النيابية. ويسجّل للحزب انه لم يعمد الى ايجاد "كبش محرقة" من اجل تجسيد كل هذه الامور بشكل عملي وفعلي، بل اتّخذ قراراً مباشراً بالشخصية المعنيّة، وساعده على ذلك ان الموسوي نفسه مقتنع بما اقدم عليه لجهة تقديم الاستقالة، بعد ان انتشرت تفاصيل عائلية في الاعلام وامور خاصة لم يكن من المفترض ان تخرج الى العلن ولو انها حصلت بالفعل، لكن طابعها شخصي محض.
اليوم، بات نواف الموسوي خارج الندوة البرلمانية، ووفق آراء جميع المعنيين بالقضية، فإنه الحل المناسب اذ سيتسنى له قضاء الوقت مع عائلته وفق رغبته، ولن يكون الحزب بمعرض الاتهام بحماية احد نوابه، فيما لن يكون البحث عن البديل صعباً لانه سيكون من الحزب حتماً ولا مجال للمفاجآت بحلول احد من خارج رغبة الحزب مكان الموسوي.