بعد أن تكثّفت الإتصالات واللقاءات أمس الأوّل الأربعاء، تأمّل الجميع خيرًا بالنسبة إلى مُعاودة إنعقاد جلسات ​مجلس الوزراء​، قبل أن تنحسر مَوجة التفاؤل بسرعة! فما الذي حصل، والأهمّ ماذا بعد سُقوط إقتراحات الحلّ؟.
بداية لا بُدّ من الإشارة إلى أنّ رئيس الجُمهوريّة قام بتوقيع مُوازنة العام 2019، وبنقل اللغط على المادة 80 الواردة فيها، إلى مرحلة لاحقة، وإلى قنوات أخرى من البحث، عبر الرسالة التي وجّهها إلى مجلس النوّاب مُمثلاً برئيس المجلس ​نبيه برّي​، وذلك في إطار السعي لإعادة بثّ الروح في السُلطة التنفيذيّة، من دون أيّ تأخير إضافي، تجنّبًا لمزيد من الضُغوط الإقتصاديّة والماليّة، خُصوصًا وأنّ الهيئات والمُؤسّسات الدَولية التي يُنتظر أن تمدّ يد المُساعدة ل​لبنان​، ستقوم قريبًا بتقييم الأوضاع في لبنان عبر ​تقارير​ ميدانية تُغطّي العديد من الجوانب فيه. وليس بسرّ أنّ من شأن قيام كل من مُؤسّستا "فيتش" و"ستاندر أند بورز" بتخفيض تصنيف لبنان–في حال حُصوله، أن يُؤثّر سلبًا على الوضع العام، علمًا أنّ السُلطات المعنيّة تقوم بكل ما يلزم من إجراءات لتجنّب حُصول هذا الأمر، حيث جرى مثلاً تسديد إستحقاقات سندات "يوروبوندز" مع فوائدها المُستحقّة، وخفض ​الدين العام​ بالعملات الأجنبيّة بنسبة 10% في الفترة المُمتدّة من أيار 2018 حتى أيار 2019، والتعهّد بتسديد كل المُتوجّبات المالية للعام 2019.
وإنطلاقًا من هذه المخاوف، وحفاظًا على الخطة المرسومة والقاضية بخفض ​العجز​ ومنع العودة إلى الوراء، كان التوافق تامًا بين رئيس الجُمهوريّة وكلّ من رئيسي ​مجلس النواب​ ومجلس الوزراء، على ضرورة المُبادرة سريعًا إلى إجتراح الحلول للعراقيل القائمة حاليًا، إفساحًا في المجال أمام عودة الحُكومة إلى الإنعقاد في أقرب فرصة. والنشاط الكثيف الذي حصل خلال ​الساعات​ الماضية صبّ في هذا الإتجاه، قبل أن تتوالى العراقيل لتعيد الأمور إلى الوراء من جديد.
وبحسب المعلومات المُتوفّرة، فإنّ من بين الإقتراحات التي جرى التداول فيها إقتراح أن يتم التصويت على مسألة إحالة ملف "أحداث الجبل" إلى ​المجلس العدلي​ من عدمه، في بداية أوّل جلسة لمجلس الوزراء، لكنّ رئيس "الحزب ​التقدمي الإشتراكي​" ​وليد جنبلاط​ رفض هذا الإقتراح، لأنّه يعتبر أنّ المُوافقة على مبدأ التصويت يعني حُكمًا الإقرار بأنّ ما حصل كان عبارة عن جريمة مُنظّمة وليس عن إشكال مُسلّح وليد ساعته، ولأنّه لم يقتنع أيضًا بأنّ الأصوات على طاولة المجلس ستتعادل، كما حاولت الجهات المُحرّكة لهذه المُبادرة إقناعه، إنطلاقًا من أنّ عدد الوزراء المُؤيّدين للإحالة يبلغ 15 وزيرًا فقط، هم وزراء "التيار الوطني الحُرّ" و"​الحزب الديمقراطي اللبناني​" و"​حزب الطاشناق​" والوزراء المحسوبين من حصّة رئيس الجمهوريّة، وكذلك وزراء "​حزب الله​" ووزير "تيّار ​المردة​"، يُقابلهم 15 صوتًا رافضًا لهذه الإحالة–أو أقلّه مُمتنعًا، هم وزراء أحزاب "التقدمي الإشتراكي" و"​القوات​ اللبنانيّة" و"​حركة أمل​" و"تيّار المُستقبل" إضافة إلى رئيس الحُكومة نفسه. وتخوّف جنبلاط بالتالي من أن ينال قرار الإحالة بالأغلبيّة المَطلوبة، وقد جرت مُحاولات لاحقة لإقناعه بأن يتمّ التصويت على حادثتي ​الشويفات​ و"البساتين" معاً، فور تعادل الأصوات في دورة التصويت الأولى على أحداث "​قبرشمون​ والبساتين" حصرًا، إلا أنّه إستمرّ رافضًا، على الرغم من أنّ رئيس ​الحكومة​ الذي كان رافضًا بداية لمبدأ التصويت على طاولة الحُكومة، ولتحديد قضايا من خارج جدول الأعمال الذي يضعه، تراجع عن رفضه وحاول جرّ جنبلاط معه، إفساحًا في المجال أمام إنطلاق أعمال الحُكومة من جديد. والإجتماع الذي عُقد مساء أمس في ​المختارة​ صبّ في خانة منح جنبلاط التفويض الحزبي والسياسي الواسع لأي قرار يتخذه خلال جولات التفاوض.
إشارة إلى أنّه وقبل هذا الطرح، كانت جرت مُحاولات لتسويق إقتراحات أخرى، من بينها إقتراح يقضي بعقد جلسة لمجلس الوزراء تُخصّص للملفّات الحياتيّة والمعيشيّة وللبنود المُرتبطة بتسيير عجلة ​الدولة​ ومصالح المواطنين، لكنّ النائب ​طلال أرسلان​ رفض التجاوب مع هذا الطرح، وأصرّ على ضرورة مُعالجة ملفّ "البساتين" عبر التصويت على الإحالة على المجلس العدلي، قبل البحث في أيّ موضوع آخر. وهدّد رئيس "الحزب الديمقراطي اللبناني" بأنّ ممثّل الحزب، وزير الدولة لشؤون ​النازحين​ ​صالح الغريب​، سيُقاطع أي جلسة لا تبتّ ملف "أحداث الجبل" قبل أي شيء آخر. حتى أنّ إقتراح تغييب وزراء الحزبين "الإشتراكي" و"الديمقراطي" عن جلسة مجلس الوزراء، منعًا لأي إحتكاك كلامي وإفساحًا في المجال أمام مُعالجة الموضوع بهُدوء، لم يلقَ الصدى المَطلوب لدى أكثر من طرف، وفي طليعتهم "الحزب الديمقراطي" وكذلك "التيّار الوطني الحُّرّ".
في الخُلاصة، المساعي لإعادة وضع شعار حكومة "إلى العمل" موضع التنفيذ ستتواصل، ولوّ أنّه من المُحتمل أن تتباطأ نتيجة سلسلة من الأعياد المُرتقبة. ومن المُتوقع أنّ تتكثّف الضُغوط على كل من النائب أرسلان والنائب السابق جنبلاط، لحملهما على تقديم تنازلات مُتبادلة، خاصة بعد الإدعاء على 21 شخصًا في حادث "الجبل"، ب​جرائم قتل​ ومُحاولة قتل و​إطلاق النار​ من أسلحة حربيّة غير مُرخّصة(1)، في ظلّ مُلاحظة بداية ليُونة أكبر لدى رئيس الحكومة من جهة، وبداية تفهّم لضرورة عودة الحكومة للإنعقاد في مواقف بعض القوى الداعمة للنائب أرسلان، وفي طليعتها "حزب الله"، من دون أن ننسى الموقف الأحدث لرئيس الجمهوريّة الحريص على مُعاودة جلسات الحُكومة، إنطلاقًا من أنّ تكليف السُلطة القضائيّة التحقيق والبتّ بملف "أحدلث الجبل"، يُشكّل المخرج الوحيد للأزمة.

(1) لم يتمّ توقيف سوى أربعة أشخاص فقط حتى تاريخه من بين المُدّعى عليهم، في ظلّ إستمرار الطلب أيضًا من النائب أرسلان بتسليم مرافقي الوزير الغريب الذين كانوا في الموكب عند وُقوع الإشكال، بهدف أخذ إفاداتهم.