من جديد، عادت "حرب الصلاحيات" بين رئاستي الجمهورية والحكومة إلى دائرة الضوء، في ضوء طلب رئيس الجمهورية ​ميشال عون​ من رئيس الحكومة ​سعد الحريري​ الدعوة إلى اجتماعٍ ل​مجلس الوزراء​، لتهدّد العلاقة بين الرجلين، بشكلٍ أو بآخر.
فعلى الرغم من أنّ التواصل بين عون والحريري دوريٌ، ولا جديد فيه، إلا أنّ التسريبات التي أحاطت باتصال رئيس الجمهورية الأخير، وحوّلته إلى "حدث"، ربطاً بالمادة 53 من الدستور، تسبّبت باستنفار "مُستقبليّ"، تُرجِم سجالاً بين "المصادر" المقرّبة من هذا الفريق وذاك.
وإذا كان لكلّ فريقٍ وجهة نظره ممّا حصل، باعتبار أنّ "التطبيع" مع واقع الشلل الحكوميّ القائم حالياً لم يعد خياراً مطروحاً، تُطرَح علامات استفهام حول جدوى استنهاض إشكاليّة "الصلاحيّات"، من أيّ من الفريقيْن المعنيّيْن، وهما يدركان جيّداً أنّ ما تواجهه البلاد أصلاً يغنيها عن أيّ حروبٍ جديدة، أكانت باردة أو ساخنة...

استنفارٌ وأكثر!


لم يكد يُسرّب خبر اتصال رئيس الجمهورية برئيس الحكومة، انطلاقاً من موقعه وصلاحياته، لا سيما الفقرة 12 من المادة 53 من الدستور، وطلبه منه الدعوة إلى عقد جلسة لمجلس الوزراء في أقرب وقت ممكن، حتى اشتعلت "حرب المصادر" بين الجانبيْن، ربطاً بـ"حرب الصلاحيات" القديمة-الجديدة، التي باتت برأي كثيرين نفسية شعبوية، أكثر بكثير من كونها واقعاً جدياً وملموساً على الأرض.
ومن هنا، ليس مبالَغاً به أبداً الحديث عن "استنفار" من جانب "تيار المستقبل" بعد التسريبات حول التواصل الأخير بين عون والحريري، لأسبابٍ واعتباراتٍ كثيرة لا يتردّد "المستقبليّون" أنفسهم في الحديث عنها، وأولها أنّ التسريبات جاءت مخالفة شكلاً ومضموناً لأجواء الاتصال بين عون والحريري، والذي أتى كالعادة ودياً وإيجابياً، استعرض خلاله الطرفان وجهة نظرهما من التطورات الحكوميّة، وهم يعتبرون أنّ تعمّد إسقاط المادة الدستورية في الخبر المسرَّب لم يكن في زمانه ومكانه، إلا إذا كان المطلوب تسجيل "انتصارات" لا يمكن صرفها عملياً على أرض الواقع.
وربطاً بهذا التفسير، يأتي السبب الثاني لاستنفار "المستقبليّين"، الذين قرأوا في الخبر المسرَّب محاولة من رئاسة الجمهورية، والفريق المحسوب عليها تلقائياً، لرمي الكرة مجدّداً في ملعب رئيس الحكومة، وكأنّه المسؤول عن تعطيل جلسات مجلس الوزراء، في وقتٍ هو يصرّ على "تحييد" مجلس الوزراء من تداعيات أزمة ​قبرشمون​، إذا ما تمّ انعقاده قبل التوصّل إلى تسوية شاملة يقبل بها جميع الأطراف، علماً أنّ رئيس "الحزب الديمقراطي اللبناني" النائب ​طلال أرسلان​ المدعوم من رئيس الجمهورية، سبق أن أعلن جهاراً رفضه عقد أيّ جلسة لا تكون إحالة الحادثة على ​المجلس العدلي​، أي سبب الأزمة بالكامل، بنداً أول على جدول الأعمال.
ويبقى السبب الثالث، والأهمّ بطبيعة الحال، للاستنفار "المستقبليّ"، ويتمثّل بالخشية من أن يُقرَأ الخبر من جانب "المزايدين"، بالصيغة التي تمّ تسريبه فيها، تعدياً جديداً على الصلاحيات، ليس في صالح الحريري السكوت عنه أمام بيئته الحاضنة، لأنّ ذلك سيعني نشوب معركة جديدة في وجهه عن الخضوع والخنوع وما إلى ذلك، علماً أنّ الدستور واضحٌ وصريحٌ بأنّ رئيس الحكومة يملك حصرياً حقّ الدعوة إلى جلساتٍ للحكومة، وأنّ حقّ رئيس الجمهورية الاستثنائي في هذا السياق مشروطٌ بالاتفاق معه.

ردّ غير موفّق؟!


باختصار، أراد "المستقبليّون" من خلال استنفارهم المُعلَن في وجه التسريبات، أن يقولوا إنّ الحريري يدرك صلاحيّاته كما واجباته جيّداً، وهو لن يفرّط بها، كلامٌ بدا مستغرباً بالمُطلَق بالنسبة إلى المقرّبين من رئيس الجمهورية، الذين رأوا أنّ الردود "المستقبليّة" حمّلت الخطوة الرئاسية أكثر ممّا تحمل، وممّا يمكن أن تحمل.
وفقاً لهؤلاء، فإنّ رئيس الجمهورية لم يخالف الدستور من خلال الدعوة مثلاً إلى جلسةٍ لمجلس الوزراء، نيابةً عن رئيس الحكومة، وإنما حاول استحداث ثغرة إيجابية في جدار الوضع الحكومي المتفاقم، بالاتفاق مع رئيس الحكومة لا بالانقلاب عليه، علماً أنّ حرص رئيس الجمهورية على استخدام صلاحيّاته التي ينصّ عليها الدستور ليس جديداً، وهو كلما اشتدّت أزمة ما، "ينقّب" عن فقرةٍ في الدستور يمكنه أن ينطلق منها لإحداث خرقٍ ما.
من هنا، جاءت مبادرة عون إلى الاتصال بالحريري طالباً منه الدعوة إلى جلسة لمجلس الوزراء، بعدما مرّ أكثر من شهر على حادثة قبرشمون، واستُنفِدت كلّ الوساطات والمبادرات التي وُضِعت، وتمّ تعطيلها تارةً من هذا الفريق وطوراً من ذاك، وانطلاقاً من أنّ البلد في ظلّ هذا الوضع، لا يمكن أن يبقى عالقاً، والحكومة مجمّدة، بانتظار مصالحةٍ لا أحد يدري إن كانت ستتحقّق أم لا، في وقتٍ يردّد رئيس الحكومة نفسه دوماً أنّ هناك أولويات اقتصادية واجتماعية يجب أن تتقدّم على المشاحنات السياسية وما شابهها.
وأبعد من ذلك، ثمّة في الدائرة المحيطة برئيس الجمهورية من يربط الهجوم "المستقبليّ" على خطوته، بالحملات التي تكثّفت في الأيام القليلة الماضية، وباتت تطاول عون شخصياً، بعدما كانت تعتمد سابقاً على الفصل بينه وبين رئيس "التيار الوطني الحر" وزير الخارجية ​جبران باسيل​، علماً أنّ من يتصدّر هذه الحملات هم حلفاء الحريري السابقون، وفي مقدّمهم رئيس "الحزب التقدمي الاشتراكي" ​وليد جنبلاط​ من بوابة ما يقول إنّه مخطّط لتحجيمه، ورئيس حزب "القوات اللبنانية" ​سمير جعجع​، الذي فاجأ كثيرين بكلامه في حديثه التلفزيوني الأخير، عن فحوى لقاءاته مع عون، وإحالته الدائمة من قبل الأخير إلى باسيل.

اجتهادات بالجملة...


مع كلّ اختلافٍ على "الصلاحيات" أو غيرها بين عون والحريري، تكثر "الاجتهادات"، بين من يعتبر أنّ الأمر مجرّد سوء تفاهم، وأنّ مصلحة الرجلين باستمرار "التسوية الرئاسية" ستغلب، ومن يرى في المقابل أنّ النار باتت تحت الرماد، وأنّ "التسوية" خدمت عسكريتها، وبات مطلوباً البحث عن خيارات جديدة.
وإذا كان اعتقاد الغالبية يميل نحو الخيار الأول، باعتبار أنّ الحريري لا يمكن أن يفرّط اليوم بالتسوية، مع إمكان خروجه نتيجة ذلك من السراي، وهو ما ليس مستعداً له في ظلّ الأزمات التي يعانيها على أكثر من مستوى، فإنّ هناك من يسأل عن "المصلحة" في افتعال مثل هذه الإشكالات بين الفينة والأخرى، وهي التي باتت برأي كثيرين أشبه بتمثيلية مملة لا يفترض أن تنطلي على أحد...