كسرت ​اسرائيل​ كل الحواجز المعنوية والمنطقية، وباتت غير معنية بأي خجل او ورع حين تتكلم عن تطبيع العلاقات مع دول عربية، رغم كل التعقيدات التي تشهدها ​القضية الفلسطينية​ من جهة، واستمرارها باحتلال اجزاء من دول تنتمي الى ​جامعة الدول العربية​ و​الامم المتحدة​ في الوقت نفسه. وحصل ما لم يكن في الحسبان، حين بات الكلام عن تبادل الزيارات واقامة علاقات بين اسرائيل وعدد من الدول التي كانت تعتبرها "عدوة" من البديهيات ويمر بشكل سلس دون اعتراض او على الاقل استغراب.
اما السرعة التي يسير فيها هذا القطار، فحدّث ولا حرج، خصوصاً وان السكّة آمنة وسالكة دون اي عوائق تذكر، ولعل ابرز دليل على ذلك ما قاله وزير الخارجية الاسرائيلي منذ ايام قليلة فقط لجهة " ان اسرائيل ستشارك في التحالف الأميركي لحماية الملاحة في مياه الخليج، وانه وجّه وزارته للتنسيق مع الأطراف المعنية لهذا الهدف". هذا الموقف انما يعني ان ​دول الخليج​ ستكون في حماية اسرائيلية، وبالتالي تسقط صفة "العدو" عن الاسرائيلي ويصبح "حليفاً" فيما تتحول ​ايران​ من دولة "صديقة" الى دولة "عدوّة". هذا التغيير في الاوصاف يحمل معه خطورة كبيرة لا يمكن حصرها بمكان او زمان، ولا يمكن تفادي هذا الامر الا عبر الوصول الى حلّين قبل انضمام اسرائيل الى التحالف وهما: التوصل الى اتفاق بين ايران والولايات المتحدة (ومن خلالها مع دول الخليج وبقيّة الدول)، او انهيار السلطة في ايران وحصول تغييرات جذرية في قيادتها تقرّبها من دول الخليج ومن افكار قادة هذه الدول. ويبدو انه في ما خص النقطة الاولى، ليس من المستحيل تحقيقها، خصوصاً وان سابقة في هذا الاطار حصلت منذ سنوات قليلة، وقد تتكرر تبعاً لمزاجية الرئيس الاميركي ​دونالد ترامب​ ولمدى تقبّل القيادة الايرانية حتميّة الوصول الى مثل هذا الاتفاق لترتاح من كابوس العقوبات والمشاكل السياسية والدبلوماسية والاقتصادية اتي تدخلها فيها واشنطن. وفي هذه الحالة، لن تكون ايران "عدوة" للخليجيين، ولن تعترض من جهتها على تواجد اسرائيلي في الخليج ما دام المسؤولون الخليجيون لا يمانعون ان تتم حمايتهم الشكلية من قبل جنود اسرائيليين بأسلحة اميركية.
اما النقطة الثانية فلا يبدو انها ستستغرق وقتاً اقلّ من النقطة الاولى، فهي مستبعدة في المدى المنظور وفق التجارب التي حصلت سابقاً من خلال التظاهرات وتحركات المعارضة في الشارع التي اقلقت النظام دون ان تسقطه، فيما العقوبات الاقتصاديّة لم تحسم الموضوع بعد ان كان الرهان على ثورة شعبية تطيح بالنظام وبرجالاته وتعد الايرانيين بحياة من الرخاء والازدهار. في الحالتين، تقف اسرائيل مترقبة وتنتظر كالفائز بـ"جائزة العمر" المترقّب نيل جائزته بعد الانتهاء من المعاملات اللازمة، ففي الحالتين ليس هناك ما يخسره الاسرائيليون، بل على العكس ستكون مكاسبهم اكثر بكثير مما هي عليه اليوم، ولن يترددوا في اعتبار هذا الانجاز بمثابة باب يدخلون منه الى فرصة جديدة للتقرب من ايران، وربما اقامة علاقات معها كما حصل مع الخليجيين.
في المبدأ، وبعد كل التغييرات والاحداث المتسارعة التي شهدناها في الفترة الاخيرة، ليس هناك ما يدعو الى التعجب من اي سيناريو جديد يضع اسرائيل في مصاف "الدول الصديقة"، فيما الحسرة تبقى ماثلة بسبب هشاشة العرب وعدم قدرتهم على فرض شروط السلام التي يرغبون فيها والتي نالت دعم الامم المتحدة ولم يعرفوا كيفية استغلالها، فيما تمكّن الاسرائيليون من شرذمتهم واخذهم الى حيث لا يريدون، والايحاء لهم ان المطالب الاسرائيليّة هي مكسب للعرب، فيما مطالب الشعوب العربيّة هي خسارة مدوّية لقادة هذه الدول وانظمتها التي ستنجح حتماً في الحفاظ على استمراريتها... ولو لزمن قصير.