"رئيس البلاد ومَن خلفه يريد الانتقام". تختصر هذه العبارة من إحدى تغريدات رئيس "​الحزب التقدمي الاشتراكي​" النائب السابق ​وليد جنبلاط​، على هامش مفاوضات حلّ الأزمة الحكومية الناتجة عن حادثة ​قبرشمون​، ما يمكن وصفه بـ"الانقلاب" في التعاطي مع رئيس الجمهورية ​ميشال عون​، من جانب بعض القوى السياسية المناوئة له.
فعلى امتداد السنوات الثلاث الأولى من العهد، كان لافتاً حرص معظم الأفرقاء على "تحييد" رئيس الجمهورية عن الصراعات والمناكفات السياسية، من خلال سياسة "الفصل" بينه وبين رئيس "التيار الوطني الحر" وزير الخارجية ​جبران باسيل​، الأمر الذي يبدو أنّه انتهى عملياً، مع توجيه الكثير من السهام مؤخراً نحو عون على المستوى الشخصي.
وإذا كان هذا الاتجاه برز بوضوح في مواقف جنبلاط، وقبله المؤتمر الصحافي الذي عقدته قيادة حزبه، كما في تصريحات رئيس حزب "القوات اللبنانية" ​سمير جعجع​، فإنّ علامات استفهام تُطرَح عمّن يتحمّل مسؤولية هذه "الانعطافة"، إن جاز التعبير، وعن تداعياتها خصوصاً على العهد، في النصف الثاني من الولاية الرئاسية.

الرئيس طرف؟!


بخلاف التعامل معه طيلة السنوات الثلاث السابقة، والذي غلب عليه أسلوب "التحييد" بشكلٍ أو بآخر، باتت الحملات تُشَنّ على رئيس الجمهورية بشكلٍ مباشرٍ خلال الأيام القليلة الماضية، وهو ما تجلّى بوضوح مثلاً من خلال تعامل قيادة "الحزب التقدمي الاشتراكي" مع تداعيات حادثة قبرشمون، والتي ذهبت إلى حدّ اتهام "العهد" في مكانٍ ما بالتدخل في عمل السلطة القضائية، لصالح فريقٍ سياسيّ ضدّ آخر.
ولم يقف هذا الأسلوب الجديد عند "الاشتراكي"، بل وصل إلى قوى أخرى، بينها "القوات اللبنانية"، التي لطالما اعتبرت نفسها حامية للعهد، مبتكرةً نظرية الفصل بينه وبين الوزير باسيل، فإذا بسهام رئيسها تصوّب مباشرةً نحو عون أخيراً، خصوصاً باستشهاده بأغنية "قوم بوس تيريز" الساخرة. وقد وصل كذلك إلى رؤساء الحكومة السابقين، الذين خرجوا من خانة الغمز واللمز إلى التعبير الصريح، كما فعل مثلاً رئيس الحكومة الأسبق ​نجيب ميقاتي​، الذي حذّر من انزلاق الجمهورية، قائلاً إنّ "المأزق يكمن عندما يتحوّل رئيس الجمهورية طرفاً بدلاً من أن يغدو حَكَماً".
ومع أنّ لرئيس الجمهورية انتماءه السياسي الواضح منذ ما قبل انتخابه رئيساً، حتى مِن قِبل معظم من يوجّهون السهام نحوه اليوم، فإنّ هؤلاء يربطون التغيير الحاصل بالتصعيد على خطّ أزمة قبرشمون التي يقولون إنّها حوّلت عون "طرفاً" في المعادلة، انطلاقاً من تبنّيه لوجهة نظر أحد أركانها، بل "انحيازه" الكامل له، بدلاً من السعي ليكون "وسيطاً" كما سبق أن فعل في أزمات عدّة. وإذا كان ما نُقِل عن عون في مرحلة من المراحل لجهة رفضه أن يكون "شيخ عشيرة"، يؤكد هذا المنحى برأي هؤلاء، فإنّهم يعتبرون أنّ الخطأ الأكبر يبقى في استباق الرئيس الأحكام القضائية حتى، عبر الترويج مثلاً لرواية محاولة اغتيال الوزير باسيل.

إلى الأمام...


أبعد من هذا وذاك، ثمّة من يقرأ في الاختلاف الجذريّ في التعاطي مع رئيس الجمهورية، نتيجة طبيعية للأزمة السياسية التي تمرّ بها البلاد، وبالتالي التموضع الجديد لبعض الأفرقاء، كرئيس حزب "القوات" مثلاً الذي وجد أنّ مصلحته تقتضي الخصومة مع الفريق الذي يمثله عون، والالتفاف حول حلفائه السابقين في قوى "14 آذار"، علماً أنّ هذا النهج جاء بعدما شعر هؤلاء أنّ مسار "العهد" لم يكن أبداً في مصلحتهم، وأنّهم لم يحقّقوا ما كانوا يطمحون إليه عندما دعموه، أو بالحدّ الأدنى وقفوا على الحياد، فإذا بالنتيجة تأتي عكسيّة بشكلٍ أو بآخر.
وإذا كان كثيرون يتوقّعون انطلاقاً من ذلك، استمرار التصويب على رئيس الجمهورية، بعيداً عن الفصل بينه وبين "التيار الوطني الحر"، كما كان يحصل في السابق، فإنّ أوساط "التيار" تؤكد أنّ هذه الحملات من شأنها تقوية عون لا إضعافه، باعتبار أنّها تثبت أنّ الأخير مختلف عن غيره، هو الذي رفض من الأصل نظرية الرئيس الوسطي والرمادي، التي يصرّ البعض على تعميمها. وهي تستغرب انطلاقاً من ذلك، أن يخرج من يعيب على رئيس الجمهورية تعبيره جهاراً عن مواقفه، ورفضه أن يكون "شيخ عشيرة"، تكريساً لمقولة "الرئيس القوي"، في وقتٍ لا يعيب أحد على رئيسي مجلس النواب والحكومة مثلاً، أن يمثّلا فريقاً سياسياً، وهما اللذان يجمعان بين منصبهما الرسمي، والحزبي بوصف كلّ منهما رئيساً لحزبٍ معيَّن، وهو حقّهما أصلاً، بل مصدر "قوتهما".
ويقول المقرّبون من رئيس الجمهورية، إنّ الأخير ماضٍ إلى الأمام، من دون أيّ اعتبارٍ للحملات ضدّه، لأنه يتطلّع إلى أن تكون المرحلة المتبقية من ولايته منتجة ومثمرة، وهو الذي سبق أن أعلن أنّه يريد تسليم من يخلفه وطناً أفضل، وهو ما يتطلّب حزماً وعزيمة، خصوصاً في ما يتعلق بمكافحة الفساد والانطلاق بورشة اقتصادية شاملة، بعيداً عن سياسات المسايرة، في مسعى لإرضاء الجميع. وعلى رغم أنّ مثل هذه السياسة قد تؤدّي إلى مزيد من العرقلة لأيّ خططٍ يزمع الرئيس تنفيذها، باعتبار أنّ الجو السياسي المشحون لن يكون مساعداً، إلا أنّ هؤلاء يؤكدون أنّ لا خيارات أخرى مُتاحة، وأنّ الرأي العام يبقى الحَكَم في نهاية المطاف.

هكذا يتمّ الإنقاذ...


قد لا يكون تغيّر الكثير في موقف رئيس الجمهورية من مختلف القضايا بين مرحلة انتخابه رئيساً واليوم، إذ لا يمكن لأحد أن يقول إنّه كان "حيادياً" مثلاً، قبل أن يختار الاصطفاف في هذه المرحلة إلى جانب التيّار الذي سبق أن أسّسه، بل إنّ كثيرين ينتقدونه أصلاً منذ وصوله إلى الرئاسة، بأنّه يبالغ في الوقوف إلى جانب الوزير جبران باسيل.
ما تغيّر قد يكون مرتبطاً بالظروف الموضوعية التي طرأت، وبشعور العديد من القوى أنّها أعطت العهد أكثر ممّا أعطاها، وأنّ سياسة "الفصل" بين عون وباسيل لم تعد مجدية أو نافعة، خصوصاً في ظلّ شعور بعض الأفرقاء أنّ هناك من يسعى لتحجيمهم وعزلهم، وإقصائهم بشكلٍ أو بآخر، وصولاً حتى إلى إلغاء نظرية "لا غالب ولا مغلوب" التي لطالما طبعت السياسة اللبنانية.
لكن، بين هذا وذاك، يبقى الأكيد أنّ ما تشهده الساحة اللبنانية من شحن متزايد ومتصاعد على أكثر من مستوى، لا يخدم "العهد" الذي يبحث عن إنجازاتٍ يسطّرها للتاريخ، ولا خصومه الذين يشكون عزلاً يكادون يعكسونه على الوطن ككلّ، في وقتٍ يدرك المتخاصمون أنّ الانهيار شبه حتميّ، وأنّ الإنقاذ لا يحصل إلا بتضامنهم، ولو بالحدّ الأدنى...