قد لا يكون مُبالَغاً به القول إنّ الأيام القليلة الماضية، منذ ما قبل حلّ أزمة ​قبرشمون​ على الطريقة اللبنانية، أعادت ​الولايات المتحدة​ إلى قلب الساحة اللبنانية، بعد غيابٍ عنها استمرّ لسنواتٍ، وهو ما تُرجِم بشكلٍ واضح بالحديث عن "ضغوطٍ" مارستها ​الإدارة الأميركية​ لمصلحة رئيس "​الحزب التقدمي الاشتراكي​" النائب السابق ​وليد جنبلاط​، ومنعاً لاستهدافه أو إقصائه.
ولعلّ البيان غير المسبوق الذي أصدرته ​السفارة الأميركية​ في لبنان، في خضمّ المواجهة، يعزّز هذه الفرضية، في ضوء قناعةٍ راسخة لدى كثيرين بأنّ هذا البيان الذي جاء مقتضباً من ثلاثة أسطر، شكّل عملياً "مفتاح الحلّ" للأزمة، حلّ أتى للمفارقة مطابقاً لكلّ مواصفات المبادرات التي طُرحت مراراً وتكراراً منذ اليوم الأول، لكنّها لم تجد طريقها للتنفيذ إلا بعد 40 يوماً.
وفي حين لا يمكن عزل التحرك الأميركي في لبنان عن المواجهة المستمرّة بين الولايات المتحدة وإيران، وبالتالي بينها وبين "​حزب الله​"، تُطرَح علامات استفهام عن الهدف الحقيقي للخطة الأميركية، بين من يقرأ فيها مسعى لقلب "قواعد الاشتباك"، وصولاً إلى حدّ "الانقلاب"، ومن يرى فيها مجرّد محاولة لإقامة "التوازن" بعد اختلال حصل، وأدّى لتصاعد نفوذ "الحزب" على حساب الآخرين...

دور متصاعد


برأي كثيرين، لم تكن أزمة قبرشمون لتُحَلّ لولا الدخول الأميركي المباشر على خطّها، والذي جاء نتيجة لتحرّك "الحزب التقدمي الاشتراكي"، واللقاءات التي عقدتها قيادته مع سفراء الدول الغربية، بدليل أنّ البيان الذي أصدرته السفارة كان كفيلاً بتحويل التعنّت الذي كان مسيطراً على الأفرقاء منذ اليوم الأول، فجأة وبقدرة قادر، إلى "ليونة" يحتذى بها، أدّت إلى كسر كلّ "الخطوط الحمراء" التي كانت موضوعة سابقاً.
ومع أنّ "الصمت" الذي قوبل به البيان كان لافتاً، حيث اقتصر الاعتراض العلني والرسمي على بيانٍ مبدئيّ بديهيّ من "حزب الله" دون غيره من الفرقاء، ما دفع البعض إلى التساؤل عن ردّة الفعل التي كانت ستُسجَّل لو أنّ بياناً مشابهاً صدر عن سفارة دولةٍ أخرى، كإيران مثلاً، يمكن القول إنّ البيان المذكور لم يأتِ معزولاً في سياقه، بل هو جاء حلقة ضمن سلسلة إجراءات تجسّد في مكانٍ ما، رغبة الولايات المتحدة بالعودة إلى الساحة اللبنانية، بعد غيابٍ طويلٍ، كان حلفاؤها المتضرّرين الأكبر منه، وهو ما يظهّره تصاعد نفوذ المعسكر المناهض لها، الذي يتصدّره "حزب الله"، والذي بات يتحكّم باللعبة السياسية الداخلية برأي كثيرين.
من هنا، ثمّة اعتقادٌ راسخٌ أنّ الدخول الأميركي المباشر على خطّ أزمة قبرشمون، والذي بدا فاعلاً ومؤثراً في مكانٍ ما، جاء ليتوّج مجموعة من الخطوات الأميركية إزاء لبنان، والتي كانت شهدت في الآونة الأخيرة فصلاً مهمّاً من خلال توسيع واشنطن عقوباتها على "حزب الله"، لتشمل ممثلين له في البرلمان، للمرّة الأولى، الأمر الذي اعتُبِر من قبل البعض تحدياً للنظام الديمقراطي البرلماني اللبناني، وهو إن دلّ على شيء، فعلى وجود استياءٍ أميركي من الواقع الحاليّ، وسط خشيةٍ من بروز المزيد من الخطوات في المرحلة المقبلة، قد تصل إلى حدّ فرض عقوبات على وزراء في الحكومة اللبنانية، سواء من ممثلي "حزب الله" أو حتى من الحلفاء والمقرّبين.

ما الهدف؟!


ولعلّ أكثر ما "يغيظ" الأميركيين، وسط كلّ هذه "المعمعة"، إن جاز التعبير، أنّ حلفاءهم يبدون في مكانٍ ما كمن ارتضى بالأمر الواقع، وبات يريد "التطبيع" معه، بشكلٍ أو بآخر، بل إنّ بعض هؤلاء، وبدل أن يستثمروا التحرّك الأميركي في صالحهم، باتوا يعملون على "الترقيع"، بل يسوّقون لـ"حزب الله" أميركياً، باعتبار أنّه مكوّنٌ لبنانيٌ أصيل لا يمكن استبعاده، تحت شعار "الخصوصية اللبنانية"، وانطلاقاً من كونه يتمتع بحيثية شعبية واسعة، لا يجوز الاستخفاف بها.
لكن، إذا كانت واشنطن غير راضية عن الواقع اللبناني الحاليّ، وهو ما يرجّح أن يبلغه المسؤولون الأميركيون بوضوح لرئيس الحكومة ​سعد الحريري​ الذي يزور واشنطن حالياً، وإن كان مُستبعَداً أن يؤدّي ذلك إلى أيّ تغييرٍ عمليّ على الأرض، فإنّ الاعتقاد السائد لدى الغالبية يبقى أنّ لا نيّة لواشنطن بإحداث "انقلاب" في لبنان، لا أحد يعرف كيف يمكن أن ينتهي، خصوصاً أنّ مثل هذا "الانقلاب" لن يكون لصالح أحد، وهو لا يتماشى أصلاً مع المبادئ والقيم التي تروّج لها الإدارة الأميركية في العالم، فضلاً عن كونه يمكن أن ينهي مرحلة الاستقرار النسبي التي يعيشها لبنان منذ سنوات، لتحلّ الفوضى بدلاً منها، وهو ما لا يصبّ في مصلحة الأميركيين قبل غيرهم، خصوصاً في عزّ المفاوضات التي يخوضونها ل​ترسيم الحدود​، وبدفعٍ مباشر من إسرائيل.
انطلاقاً من ذلك، ثمّة من يعتبر أنّ الهدف الحقيقي للخطة الأميركية المستجدّة في لبنان هو في واقع الأمر، إقامة "توازن" لا بدّ منه بين طرفي الصراع، أي بين حلفاءواشنطن وطهران، خصوصاً أنّ مبدأ المفاوضات لا يزال يتفوّق أميركياً على فرضية الحرب، ولبنان هو أحد ملفّات البحث بطبيعة الحال. وبالتالي، فإنّ المطلوب الذهاب إلى هذه المفاوضات من منطق قوة، ولو نسبيّة، لا من منطق التسليم بـ"الاختلال" الحاصل حالياً في الداخل اللبناني، لمصلحة "حزب الله" وفريقه، فيما يبدو حلفاء الولايات المتحدة وكأنّهم في موقع "لا حول ولا قوة"، بل يقدّمون كلّ التنازلات، ومنها ما لا يخطر على بال، فقط لضمان البقاء في السلطة، أو الحصول على جزءٍ ولو بسيط من مغانمها ومكتسباتها.

الرسالة وصلت؟!


بالنسبة إلى كثيرين، بدا البيان الذي صدر عن السفارة الأميركية في خضم أزمة قبرشمون، مفاجئاً، لكونها من المرّات النادرة التي تصدر فيها السفارة بياناتٍ تتعلّق بالشؤون الداخلية للدول، ولكونه خرج في مكانٍ ما عن اللغة الدبلوماسية المُعتادة.
إلا أنّ هذا البيان، سواء مهّد للحلّ كما أظهرت المعطيات، أو أنّه تزامن مع وضع اللمسات الأخيرة على الحلّ، كما يروّح أصحاب نظرية الحلّ اللبنانيّ، جاء ليضع الأصبع على الجرح: الولايات المتحدة لا يمكن أن تبقى متفرّجة، إذا ما قرّر البعض المسّ بما تعتبره خطوطاً حمراء.
الرسالة المشفّرة وصلت، وهي ستصل مباشرة على الأرجح، إلى الحريري خلال زيارته واشنطن، لكنّ الأكيد أنّ فصولها لن تُستكمَل الآن، بانتظار اكتمال فصول المواجهة الأميركية-الإيرانية، والتي يبقى لبنان واحدة من ساحاتها، حتى إشعارٍ آخر!.