رئيس حزب "​القوات اللبنانية​" ​سمير جعجع​ سيحطّ في الجبل قريباً، وربما في عطلة نهاية الأسبوع. الخبر بات شبه رسميّ، وإن لم يُعلَن موعد الزيارة الدقيق، لأسبابٍ أمنية على الأرجح، تسيّر حركة "الحكيم" منذ فترةٍ غير قصيرة.
اللافت أنّ الزيارة المرتقبة تأتي بعد أسبوع على طيّ صفحة أزمة ​قبرشمون​، التي خلّفتها زيارة رئيس "​التيار الوطني الحر​" وزير الخارجية ​جبران باسيل​ إلى الجبل، من خلال لقاء المصارحة والمصالحة الذي عقد في قصر بعبدا الأسبوع الماضي.
انطلاقاً من ذلك، أيّ رسائل يمكن أن تحملها زيارة جعجع، للحلفاء والخصوم، خصوصاً بعد موقفه المساند بقوة لـ"الحزب ​التقدمي الاشتراكي​" في الآونة الأخيرة؟ وهل تصبّ في خانة الردّ على باسيل، بشكلٍ أو بآخر، ربطاً بتفاقم الخلافات بين الجانبين؟!.

المصالحة أولاً


في الشكل، لا يبدو مُبالَغاً به وضع الزيارة في سياق "التوتر" المتصاعد على خط العلاقة بين "القوات اللبنانية" و"التيار الوطني الحر"، وتحديداً بين جعجع وباسيل، والذي تجلّى بوضوح في خضمّ أزمة قبرشمون من خلال تصريحات الرجلين، والتي وصلت إلى حدّ الحديث عن "فرصة أخيرة" لإنقاذ التفاهم المُبرَم بينهما.
من هنا، قد تُفسَّر زيارة جعجع إلى الجبل، اليوم بالتحديد، وكأنّها "جولة" في المعركة المستمرّة بين "التيار" و"القوات"، باعتبار أنّ "الحكيم" لن يتوانى في إظهار نفسه وكأنّه، بعكس باسيل، يعرف كيف يدخل الجبل من دون أن يتحدّى أهله، وأنّه بالتالي الحريص على المصالحة "التاريخية"، فيما غيره يفرّط بها من دون مبالاة.
وعلى رغم "الواقعية" التي تحيط بهذه القراءة بشكلٍ أو بآخر، فإنّ الرواية "القواتية" للزيارة ترفضها شكلاً ومضموناً، بل تذهب إلى حدّ اعتبار هذه التسريبات بمثابة ضربٍ للأهداف الحقيقية للزيارة، البعيدة كلّ البعد عن اليوميات السياسية ودهاليزها. ويلفت "القواتيون" في هذا السياق إلى أنّ الزيارة ليست أصلاً وليدة اليوم، بل كانت مقرّرة سلفاً، وفي تاريخ رمزيّ ذي دلالة، هو الثالث من آب، الذي يصادف ذكرى "مصالحة الجبل"، ولكنّها أرجئت حتى لا تُعطى أبعاداً مسيّسة، غير مطابقة للواقع، كالتي يُحكى عنها اليوم.
يصرّ "القواتيون" على أنّ الرسالة الأساسيّة، وربما الوحيدة، من وراء زيارة جعجع المنتظرة إلى الجبل، لن تكون سوى تثبيت نهج المصالحة في الجبل، بعيداً عن كلّ المحاولات التي بُذِلت وتُبذَل لضربها، والتي كانت حادثة قبرشمون الأخيرة من أبرز تجلياتها. لا ينكرون أنّ المصالحة لم تكتمل فصولاً، ربما، وأنّ المطلوب استكمالها وتعزيزها، من خلال مشاريع إنمائية واقتصادية تعيد تثبيت المسيحيين في مناطقهم، لكنّ الأهمّ من ذلك، يبقى التأكيد على ثباتها، لا التفريط بها، تارةً عبر نكء الجراح، وطوراً عبر اعتماد لغة الاستفزاز والتحدّي، التي تأتي بمفعولٍ عكسيّ بطبيعة الحال.

السياسة حاضرة


هي صورة "وردية" صافية وخالصة تُقرَأ من خلف سطور الرواية "القواتية" لزيارة جعجع إلى الجبل، رواية تنأى بالزيارة عن الظرف السياسيّ الحاليّ، على تأزّمه وحساسيّته، بشكلٍ قد لا يبدو واقعياً، خصوصاً في بلدٍ كلبنان، حيث لا مجال للحديث عن "صدف" في السياسة، بقدر الحديث عن "رسائل" من خلف كلّ خطوة، أياً كان حجمها.
ولعلّ الرسائل السياسية أكثر من حاضرة بين طيّات زيارة جعجع، أولاً من جانب "القوات اللبنانية" نفسها، التي ستسعى بلا شكّ لتوظيف الزيارة لصالحها، في إطار صراعها المتفاقم مع "التيار الوطني الحر"، الذي يبدو أنّه وصل إلى "مفترق حقيقي" في الأيام الأخيرة، من خلال تقاذف الجانبين الاتهامات على أكثر من صعيد، وبشكلٍ غير مسبوق، الأمر الذي فُسّر وكأنّه إعلانٌ رسميّ لانتهاء فصول التفاهم، ونعيٌلإمكان إنقاذه.
ولكنّ الرسائل لن تكون حكراً على "القوات"، إذ إنّ لـ "الحزب التقدمي الاشتراكي" الرسائل التي يريد إيصالها أيضاً، بالشكل قبل المضمون، وذلك من خلال الحفاوة التي سيتعامل بها مع الزيارة، بعكس ما كان الحال مع زيارة باسيل، التي قوبلت بالاحتجاجات وقطع الطرقات. وإذا كان "الاشتراكي" يريد من ذلك التعبير عن تقديره للموقف الذي اتخذه جعجع في المرحلة الماضية، والذي شكّل له في مكانٍ ما "حصانةً" كان بأمسّ الحاجة إليها، فإنّه يريد أيضاً أن يقول لباسيل إنّ الجبل مفتوح لأيّ زائر يدخله من بوابته، وبالتالي يريد أن يدحض التهم التي أطلِقت عن أنّه كانتون مقفل، وما شابه ذلك.
وعلى أهمية هذه الرسائل، يبقى الأكيد أنّ "الاشتراكي" يصرّ على أن لا تتجاوز بشكلٍ من الأشكال، المصالحة التي أبرِمت، وإن غاب الوزير باسيل عنها، لأسبابٍ لم تبدُ مقنعة أصلاً لـ "الاشتراكيين". ولعلّ الحزب يحرص، لهذه الأسباب، على إيلاء انتقال رئيس الجمهورية ​ميشال عون​ إلى مقرّه الصيفي، أهمية مضاعفة، تأكيداً على "الصفحة الجديدة" التي فُتِحت معه،علماً أنّ جعجع يلاقيه أيضاً في هذا المسار، إذ تشير المعطيات إلى أنّه سيزور عون في مقرّه الصيفي خلال الزيارة، تأكيداً على استمرار "فصله" بين الأخير، والوزير باسيل، ولو أنّ البعض يقرأ في ذلك تناقضاً مع بعض تصريحاته الأخيرة، وخصوصاً الساخرة منها، ربطاً بأغنية "قوم بوس تيريز".

بين الحقّ وعدمه...


من حق رئيس حزب "القوات اللبنانية" أن يزور الجبل، باعتباره منطقة لبنانية يجدر أن تكون مفتوحة لجميع اللبنانيين، وهو حقّ لا يفترض أن يجادله به أحد، تماماً كما كان من حق رئيس "التيار الوطني الحر" أن يفعل الأمر نفسه، بغضّ النظر عن شكل خطابه ومضمونه، وإن تحوّل هذا الحقّ إلى محور أخذ وردّ.
ومن حق رئيس "القوات" أن يعطي الزيارة أبعاداً سياسية، ويوظّفها بشكلٍ أو بآخر، لمصلحته الخاصة، سواء الآنيّة أو بعيدة المدى، ومن حقّ "الاشتراكيين" أيضاً أن يستغلوها لتوجيه الرسائل لهذا الطرف أو ذاك، بعد كلّ "البلبلة" التي أحاطت بهم وبالجبل، على مدى الأسابيع القليلة الماضية.
لكن، ما ليس من حقّ "الاشتراكي" و"القوات" ولا "التيار"، هو أن يصبح "التحدّي" سيّد الموقف، وأن تتحوّل "المصالحة"، على أهميتها التاريخية، إلى "وجهة نظر" يتقاذفها المعنيّون بها، وكأنّها مجرّد وسيلة تصلح لـ "الابتزاز" في الاستحقاقات المفصليّة...