هل تبدأ ​الحكومة​ بعد التوقف القسري الذي أصابها على مدى أربعين يوماً بفعل حادثة «البساتين» العمل الجدي باتجاه خلق ديناميكية انتاجية تزيح عنها صبغة التلكؤ والترهل المبكر نتيجة مرض المماحكات والتجاذبات التي أصاب جسمها بكل مكوناته، أم ان المناخات السياسية المطلوبة لذلك لم تتوافر بعد وأن رحلة الحكومة الانتاجية ما تزال طويلة ومعقدة؟


صحيح أن الممارسات السياسية اليومية لا تشجّع على التفاؤل في إمكانية إبحار الحكومة باتجاه ضفة الاستقرار الذي ينتج عنه إنتاج فعلي، غير ان ما يقال في الإعلام وفي الصالونات السياسية يؤشر إلى وجود رغبة لدى غالبية القوى السياسية بوجوب الانتقال من مرحلة المماحكات والكباش السياسي، إلى رحاب التهدئة والتطلع في اتجاه معالجة الملفات الضاغطة وتحصين الوضع الداخلي لمواكبة ما هو آتٍ من تطورات ومتغيرات على مستوى المنطقة.

لكن يبقى الخوف مبرراً من تُبدّد هذه المناخات الموجودة نتيجة الواقع السياسي غير الصحي والذي سرعان ما يتأثر نتيجة أية متغيرات إقليمية أو بفعل فتح أي ملف داخلي كون ان الإجماع السياسي غير متوافر حيال غالبية الملفات الموجودة على رف الانتظار والذي يفترض بالحكومة نفض الغبار عنها في أسرع ما يُمكن، كون ان تداعيات تركها من دون معالجة بدأ يضغط على مجمل الوضع العام وبالتالي فإن ذلك سيكون على حساب الحكومة التي فقدت إلى الآن الكثير من رصيدها نتيجة حال عدم التوازن واللااستقرار الذي تعيشه.

من هذا المنطلق فإن معالجة ملف النفايات الذي وضع على نار حامية والذي خصصت لأجله جلسة ل​مجلس الوزراء​ الثلاثاء المقبل، سيكون بمثابة اختبار للحكومة، فإما ان تنجح في طيه، وإما ان تغرق في الحسابات السياسية والمناطقية والطائفية يحول معها الانتقال في اتجاه مقاربة الملفات الأخرى.

وفي هذا السياق، تؤكد مصادر سياسية مطلعة انه لم يعد بوسع الحكومة المناورة أو اللعب على الحلول لهذه الأزمة التي تنذر بالتفاقم في الأسابيع القليلة المقبلة ما لم يتم التفاهم على حل يرضي كل الأطراف، مشددة على ان حل هذه الأزمة لم يعد مطلباً ​لبنان​ياً داخلياً فقط، بل هناك أكثر من جهة دبلوماسية ناقشت هذا الموضوع مع المعنيين، وشددت على ضرورة معالجة هذا الملف الذي يوثر على صورة لبنان، خصوصاً وان ​مؤتمر​ «سيدر» خصص مبالغ مهمة لهذه الغاية.

وتلفت المصادر النظر إلى ان ملف النفايات على أهميته ليس هو وحده يشغل بال أهل الحكم فهناك ملفات كثيرة بحاجة إلى معالجة وتفتقد إلى التوافق السياسي حولها وخصوصاً ملف ​التعيينات​ الإدارية الذي بات فتحه أكثر من ضرورة نظراً للترهل الذي يصيب الإدارات والمؤسسات العامة والتي باتت بحاجة إلى رفدها بدم جديد وبالكفاءات التي تجعلها قادرة على مواكبة العصرنة والتطور وتضع حداً ل​حالات​ الهدر و​الفساد​ الذي أصاب منها مقتلاً وجعلها عاجزة عن القيام بالحد الأدنى مما هو مطلوب منها على مستوى تسيير أمور البلاد والعباد.

ولم تستبعد هذه المصادر ان يكون ملف التعيينات أولوية لدى الحكومة في الأيام المقبلة مع ما يُحكى عن مقترح لدى ​رئيس الجمهورية​ بتحويل آلية التعيينات التي وضعها مجلس الوزراء إلى قانون وعلى أساسه تتم التعيينات، وفي حال تمّ التوافق على ذلك فإنه لا يعود هناك أي اعتراضات حول التعيينات حيث لا يخفى بأن «القوات اللبنانية» أبلغت من يعنيهم الأمر بأنها ستقف سداً منيعاً في وجه أية تعيينات لا تراعي الكفاءة، وهو ما أكّد عليه نائب رئيس حزب «القوات» النائب ​جورج عدوان​ الذي تمنى ان يكون في كل موقع أكثر من اسم مقترح، مشدداً على ان «القوات» سترفض أية عملية تعيين لا تراعي مسألة الكفاءة.

وفي تقدير المصادر ان المصالحة التي حصلت في ​بعبدا​ بين النائب السابق ​وليد جنبلاط​ والنائب ​طلال أرسلان​، وما يُحكى عن تحضيرات تجري على قدم وساق في ​عين التينة​ لجمع «حزب الله» و​الحزب التقدمي الاشتراكي​ من شأن كل ذلك ان يساهم في ترسيخ مناخات التهدئة وبالتالي يُساعد الحكومة على الانتقال من مرحلة الجمود أو المراوحة إلى مرحلة تستطيع فيها تحقيق الكثير من الأهداف التي تعيد لها الثقة التي فقدتها لدى غالبية الرأي العام اللبناني وفي المقابل زيادة منسوب الثقة الدولية التي تساعد على ترجمة سريعة لمفاعيل مؤتمر «سيدر» الذي يحوي 250 مشروعاً في كل القطاعات في أيلول المقبل، بعد ان كادت الثقة المهزوزة بلبنان نتيجة صراعاته السياسية ان تحمل بعض الدول المساعدة على فرملة اندفاعتها باتجاه لبنان وبالتالي خسارة الفرصة السانحة امامه لإعادة النهوض باستقراره والحفاظ على قطاعه المالي.