لم يكن رئيس الجمهورية ​ميشال عون​ يتوقع أن يثير ردٌ مقتضب على سؤال حول ​الاستراتيجية الدفاعية​، أشار فيه إلى تغيّر المقاييس التي يجب أن تُعتمَد لوضعها نتيجة الواقع المستجدّ في المنطقة، كلّ الضجة التي شهدتها الساحة ال​لبنان​ية في الساعات القليلة الماضية، وصولاً إلى حدّ التهويل بعقوباتٍ جديدةٍ قد تُفرَض على لبنان بسبب هذا الموقف.
وبين من قرأ في كلام عون تراجعاً عن تعهّداتٍ والتزاماتٍ سبق أن قطعها، لجهة إطلاق حوارٍ وطنيّ لبحث الاستراتيجية الدفاعية، ومن فسّره بأنّه بمثابة تشريعٍ جديدٍ لسلاح "​حزب الله​"، وجد مكتب الإعلام في رئاسة الجمهورية نفسه مضطراً، نتيجة البلبلة التي حصلت، إلى إصدار بيانٍ توضيحيّ، لفت فيه إلى أنّ ما قاله الرئيس كان "توصيفاً للواقع"، لا أكثر ولا أقلّ.
ولكن، أبعد من الموقف والتوضيح، ومن التفسيرات والتحليلات التي أعطيت له، تُطرَح علامات استفهام عمّا قصده الرئيس عون فعلياً من كلامه، وعمّا إذا كانت صفحة الحوار حول الاستراتيجية الدفاعية، والتي كانت منتظرة منذ إجراء الانتخابات وتشكيل الحكومة، قد طويت، بقرار رئاسي فرديّ؟!.

انتقادات بالجملة!


منذ أن أطلق الرئيس عون موقفه حول تغيّر "مقاييس" الاستراتيجية الدفاعية، كرّت سبحة الانتقادات، خصوصاً من الشخصيات المحسوبة على قوى ما كان يُعرَف بالرابع عشر من آذار، ومن ضمن هؤلاء "شركاء" رئيس الجمهورية في "العهد"، أي "تيار المستقبل"، الذي كان لافتاً تشديد كتلته النيابية على أنّ "موضوع الاستراتيجية الدفاعية يجب أن يكون بنداً دائماً على جدول أعمال الحوار الوطني".
وعلى الرغم من إصدار مكتب الإعلام في رئاسة الجمهورية بياناً توضيحياً ربط حديث الرئيس عن تغيّر المقاييس بالتطورات العسكرية التي شهدها الجوار اللبناني خلال الأعوام الماضية، والتي تفرض مقاربة جديدة لموضوع الاستراتيجية الدفاعية تأخذ في الاعتبار هذه التطورات، استمرّت الانتقادات، تحت شعار أنّ التغيّر الوحيد الذي يمكن أن يُبنى عليه لطيّ الصفحة، هو أن يقوم "حزب الله" بتسليم سلاحه إلى ​الجيش اللبناني​، وبالتالي حصر قرار الحرب والسلم بالدولة اللبنانية، باستقلالية تامّة عن أيّ مكوّنات داخلية أو خارجية.
وانطلاقاً من هذه الروحية، يستغرب المنتقدون ما يصفونه بـ "تبرؤ" عون من الاستراتيجية الدفاعيّة، في حين أنّ المعنيّ الأساس، أي "حزب الله"، لا يبدي أيّ ممانعة في مناقشتها، ولو من باب رفع العتب، وهو ما كرّره أمينه العام ​السيد حسن نصر الله​ في خطاباته الأخيرة. وبمُعزَلٍ عن دقّة التفسيرات والأبعاد التي أعطيت لموقف عون، والتي حاول التنصّل منها من خلال البيان الرئاسي، يرى هؤلاء أنّ الاستراتيجية الدفاعية يفترض أن تكون من "أولويات" عون، لتحقيق "إنجازٍ" يُسجَّل للعهد، في حال التوافق على استراتيجيّةٍ ما، أو بالحدّ الأدنى التوسّع في النقاش الجدّي حولها.
لكن، أبعد من كلّ هذه المبادئ والشعارات، كان لافتاً ذهاب بعض المنتقدين إلى التحذير من مفاعيل محتملة لموقف عون دولياً، ربطاً بالتوقيت "السيء" الذي أطلق فيه، ملمّحين وغامزين في ذلك من قناة عدم رضا المجتمع الدولي، الذي قد يقرأ في تصريحات عون "تشريعاً إضافياً" لسلاح "حزب الله"، على خلفية الدور الذي لعبه في محاربة الإرهاب إلى جانب الجيش اللبناني، طالما أنّ الرئيس ربط الاستراتيجية بالتغيّرات التي حصلت في الأعوام الماضية، في إشارة تحديداً إلى ما حصل في سوريا، وظهور بعض التنظيمات المتطرفة على غرار "داعش".

تشويش غير واقعي؟!


وإذا كان للمنتقدين "حججهم"، إن جاز التعبير، فإنّ المنطق الذي استندوا إليه بدا مرفوضاً بالنسبة إلى المقرّبين من الرئيس، وتحديداً في "التيار الوطني الحر"، الذين قرأوا في المواقف المناوئة لتصريح الرئيس، "تشويشاً متعمّداً"، ووضعوه ضمن "الحملات" المستمرّة على عون، ومن خلاله على "العهد"، خصوصاً أنّ كلام رئيس الجمهورية جاء رداً على سؤال، وتمّ تحميله أكثر بكثير ممّا يتحمّل. ويلفت هؤلاء إلى أنّ عون لم يقل أصلاً في كلامه إنّ النقاش حول الاستراتيجية الدفاعية انتهى، أو أنّ الأمر حُسِم، بل إنّ كلّ ما قاله إنّ المقاربة يجب أن تختلف، في ضوء التغيرات التي طرأت خلال الأعوام الماضية، والتي جعلت كلّ التصوّرات السابقة، بما في ذلك الطرح الذي قدّمه عون نفسه في العام 2008، بحاجة إلى إعادة تقييم، بالحدّ الأدنى.
عموماً، يدعو داعمو موقف عون، الخصوم إلى التسلح بـ "الواقعية" في مقاربة الأمور، وعدم إعطاء تصريحات رئيس الجمهورية أبعاداً غير حقيقية، بداعي الإثارة ولفت الانتباه، خصوصاً أنّ الوضع الحالي للبلد، والذي يتفق الجميع على أنّه على حافة الانهيار، لا يسمح لأحد بالتلهّي بسجالاتٍ غير مجدية، ولا أساس لها أصلاً. ويعتبرون أنّه كان الأجدى بهؤلاء وضع يدهم بيد الرئيس، الذي حرص في تصريحاته على "التفاؤل" بإنقاذ الوضع، بعد "المصالحة السياسية" التي حصلت أخيراً، وأنهت الشلل الحكوميّ، بدل البحث عن "إبرة في كومة قش"، يمكن أن تثير المزيد من الخلافات، التي لا تنفع في هذه المرحلة.
ولعلّ أهمّ ما يركّز عليه المحسوبون على الرئيس، في معرض ردّهم على كلّ ما قيل ويقال وسيُقال، يكمن في أنّ لدى الأخير "أجندة سياسية" يريد العمل على تنفيذها، وتقوم على "أولويات" لا بدّ من إعطائها الحيّز الذي تستحقّه، وعلى رأسها الملف الاقتصادي والاجتماعي، بعيداً عن الخلافات السياسية، وحتى الاستراتيجية منها، وهو ما يتّفق به مبدئياً مع رئيس الحكومة، الذي أكد في مناسباتٍ عدّة، ضرورة تغليب الشأن الاقتصاديّ على كلّ ما عداه. أما الاستراتيجية الدفاعية، فتبقى، على أهميتها وحساسيتها، شأناً ثانوياً، بصورة نسبيّة، مقارنةً بالمجهول الذي يمكن أن تذهب إليه البلاد، في حال التمادي بإهمال الإصلاحات المطلوبة، والتي لا يمكن أن تُنفَّذ في ظلّ الانقسامات.

إعلان بعبدا ثانٍ؟!


أكثر من مرّة، طُرِحت فكرة رعاية رئيس الجمهورية لحوارٍ وطنيّ حول الاستراتيجية الدفاعيّة، تماماً كما كان يحصل في العهد السابق، حين كان الرئيس السابق ​ميشال سليمان​ يستضيف حواراتٍ في قصر بعبدا، يجمع فيها مختلف الفرقاء، وتُناقَش فيها العديد من الملفّات.
إلا أنّ هذه الفكرة لم تترجَم بعد، على رغم أنّ عون قال قبل الانتخابات إنّه سيدعو إلى حوارٍ من هذا النوع بعد إنجاز الاستحقاق، وهو ما يردّه كثيرون إلى أسبابٍ عدّة، بينها تغيّر الظروف الدولية والإقليمية، فضلاً عن اختلاف الأولويات الداخلية في الظرف الراهن.
لكن، أبعد من هذا وذاك، ثمّة من يعتبر أنّ السبب الأهمّ يبقى أنّ عون لا يريد الدعوة إلى حوار من أجل الحوار، لا ينتج عنه أمرٌ جدّي، وهو خصوصاً لا يريد أن تكون خلاصة أيّ حوار، بمثابة "إعلان بعبدا" جديد، يصلح مادة لـ "التندّر" أكثر من أيّ شيء آخر...