اثار الكلام الذي قاله رئيس الجمهورية العماد ​ميشال عون​ قبل ايام حول ​الاستراتيجية الدفاعية​، ردود فعل متناقضة بين مؤيد ومعارض، ما اضطر مكتب الاعلام في الرئاسة الى اصدار توضيح حول هذه المسألة كي لا تأخذ الامور منحى مغايراً لما قصده عون. واللافت انه بعد هذا التصريح، عمدت ​اسرائيل​ الى اطلاق طائراتها المسيّرة باتجاه ​لبنان​ باستراتيجيّة جديدة تحدث عنها الامين العام ل​حزب الله​ ​السيد حسن نصر الله​ باسهاب، ورد على المعادلة بمعادلة اخرى.
هذا الاعتداء الاخير على ​الضاحية الجنوبية​، الذي اتى دون استفزاز او مبرر، دعم فكرة عون لجهة وجوب تغيير التفكير في مقاربة الاستراتيجية الدفاعية، وهو الذي كان قدّم سابقا ًعلى طاولة الحوار في بعبدا خلال عهد الرئيس الأسبق العماد ميشال سليمان، ورقة في هذا الخصوص تحمل تصوراً لدرسه. ولكن اللافت ان سليمان نفسه علّق على الاعتداء الاسرائيلي بتغريدة غير موفقة قال فيها: "هل هناك استراتيجية لبنانيّة للدفاع على خرق اسرائيل للسّيادة اللبنانية"؟، ليتبعها برأي آخر بأن الاستراتيجية باتت "ضرورة ملحّة، لتصويب بوصلة قرار الحرب والسلم". هذا الكلام ظهر وكأنه لتسجيل موقف ليس إلاّ، لأن سليمان يعلم تمام العلم ان الدولة غير قادرة على مواجهة اسرائيل في حال اتخذت قرار الحرب، على الرغم من الارادة الصلبة للجيش اللبناني وتفاني عناصره، الا انه يفتقد الى الاسلحة اللازمة لذلك في ظل "الفيتو" الذي لا يزال مفروضاً عليه في هذا المجال، وسيتحوّل الامر الى "مقاومة" لاحتلال جديد ستقوم به القوات الاسرائيليّة وسيكون موجعاً لها وللبنانيين، كما من شأنه تغيير خريطة المنطقة ككل.
وبالتالي، ان الحديث عن قرار لبناني رسمي بمحاربة اسرائيل، هو كلام فارغ ولا قيمة له. اما وضع استراتيجية دفاعيّة فهو اقرب الى المنطق، انما لن يعني بأي حال من الاحوال انهاء قدرات حزب الله او تجريده من سلاحه ولو انه مطلب اساسي لتركيز اسس الدولة، وذلك لان "الفيتو" لا يزال قائماً على السلاح الذي يجب أن يحصل عليه الجيش اللبناني، ولأن قوات "اليونيفيل" لن تكون مخوّلة الاشتباك مع الاسرائيليين، وستسرح الطائرات الاسرائيليّة وتمرح كما تشاء في الاجواء اللبنانية لـ"اصطياد" الجنود اللبنانيين في ثكناتهم واماكن تجمعهم وفي آلياتهم العسكرية اينما وجدت.
وعليه، لمست اسرائيل لمس اليد انّ الهجوم البري على لبنان ثمنه كبير جداً، وان الافضلية الجويّة التي تتمتع بها، تجعلها قادرة على حسم أيّ حرب بجهد قليل، ولكن الاسلحة التي يملكها حزب الله من شأنها قلب الامور رأساً على عقب، ويمكنه التحرك بشكل اكثر راحة بكثير مما يمكن للدولة ان تقوم به، ولعل المثال في سوريا خير دليل على ذلك، فالضغوط السياسية والدبلوماسية ستنهال على لبنان وليس على اسرائيل في أي حرب ستندلع بينهما، وستستعيض تل أبيب بتقوقها الدبلوماسي والسياسي على التفوق الجوّي الذي قد يتمكن لبنان من معادلته بفضل اسلحة الحزب في ما لو حصل عليها.
من هنا، فإن الحديث عن استراتيجيّة دفاعيّة يجب ان يتمّ مع الابقاء على تسليح حزب الله بطريقة ما، فإما ان يكونوا جاهزين للتدخل عند الحاجة، او اي صيغة اخرى وفق هذا المفهوم يتفق عليها المسؤولون في لبنان. ويقيناً، لو كان لسليمان القدرة على تنفيذ ما يقوله اليوم، لكان فعل اكثر من ذلك، ولكنه يعلم كما غيره، ان ما يقال في هذا المجال هو فقط لتسجيل المواقف ولا يمكن ان يمتّ الى الواقع بصلة. اما الحل الآخر لانهاء وجود حزب الله العسكري بطريقة مطمئنة، فيقضي بإحلال السلام في المنطقة وهو أمر بعيد المنال لأن احداً لا يرغب في الضغط على اسرائيل في هذا المجال، ومن هذا المنطلق لا يمكن في المقابل الضغط على حزب الله لتفكيك منظومته العسكرية طالما انه بامكان اسرائيل اجتياح لبنان بقدراتها العسكرية المتفوقة بكثير على قدرات الجيش اللبناني.
المسيّرات الاسرائيلية انصفت عون، فمن سينصف الاستراتيجية الدفاعية؟!.